عمّار الأحمد
استقدم النظام قوات حزب الله، والحرس الثوري الإيراني،
وعصائب أهل الحق وسواها، وفشلت؛ واستخدم الكيماوي الواسع في 21 أب، وفشل كذلك. هذان
السلاحان يشيران إلى أن النظام ليس بحالة توازن مع الثورة، بل في حالة تراجع،
وحالة تقهقر كبيرة. وما سمح بتعقيد المشكلات في الثورة، هو المجلس الوطني، وتحديد الأخوان،
وإعلان دمشق، من خلال تسويغ التدخل الخارجي العسكري، والاعتماد عليه من أجل
إسقاط النظام، ورداءة هيئة التنسيق في
رصدها للثورة وفشلها تماماً في ذلك. ولكن الثورة وبقانونيتها استطاعت الحد من
جرائم السياسيين هذه، واستمرت وتطورت، ولكن بالمقابل، فإن مشكلاتها كبرت، وأخطرها
حالياً الجماعات الجهادية؛ التي تواجه الثورة أكثر مما تواجه النظام.
التنظيمات الجهادية هذه، لم تنشأ بمعاداة السلطة، بقدر
ما نشأت بمعاداة الثورة، والمعارضة السياسية هي التي صمتت وسمحت وسوّفت دخولهم إلى
سورية، بل ومنعت كل أشكال من النقد ضدها. ولم تقدم، ومنذ نشأت تلك الجماعات، ولا
سيما داعش، أي انتقاداتها لها، بل وكان الغزل أو الصمت هو منهجية التعامل معها،
بحجة عدم تشتيت قوى الثورة كونها تواجه النظام، ولا بد أن تكون كل الجهود لإعلاء
صوت المعركة؛ وكل من يقول بالخطر المحدق أمام الثورة غير خطر النظام، هو عميل
للنظام نفسه؛ هذه عقلية المجلس الوطني والائتلاف من بعده، ولا تقل هيئة التنسيق
سوءاً في فهمها لهذا الخطر، فهي تعتبر
الجهادية مسيطرة على الثورة، وتعتبر الأخيرة بحكم المنتهية، وأن الخطر الآن لا يأتي
من النظام بل من تلك الجماعات.. أي أن هذه الرؤية تتوافق مع الروس بل والأمريكان
كذلك؛ وهذا ما يسعى إليه النظام، وذلك لتقديم نفسه من جديد، كونه يحارب جماعات
التكفير والجهادية، وحربه هذه يشنها هو لحماية
العالم بأكمله، بدءاً من الأمريكان إلى روسيا، وهو في ذلك يحمي الأقليات..!
ما يعنيني، وبعد توضيح دور القوى السياسية في تعزيز وجود
تلك المجموعات الكارثية على الثورة؛ أن تلك الجماعات لم تتوقف أبداً عن توضيح
رؤيتها فهي تنشد الخلافة الإسلامية، ولا يعنيها وجود النظام أو انتصار الثورة، ولا
تعترف بأية قوة سياسية أو عسكرية أو ثورية، وكلها جماعات ضلال، وعليها التوبة وإعطاء
الراية لداعش وللنصرة ومن يشبهها؛ هذا هي الجهادية في كل من الرقة وحلب وفي سواها
من مناطق الثورة، وبالتالي لا يمكن القول أن محاربتها هي خدمة للنظام، لأنها
بالحقيقة لا تحارب النظام، وتحارب الشعب بالتحديد، والمستفيد الوحيد من وجودها هو
النظام. إن محاولاتها إقامة سلطة قروسطية في المناطق المحررة، وقتلها قيادات في
الجيش الحر، وسجنها ناشطين سياسيين وإعلاميين، وسيطرتها على بعض الأماكن الإستراتيجية،
وتأمينها خطوط النفط للنظام، ماذا تعني سوى أنها تعمل لصالح النظام؟
داعش الآن في
حرب ضد قوى الجيش الحر، في كامل سورية، وهي تطرد كتائب الجيش الحر أو تحاول ذلك،
في حلب والرقة والدير، وتحاول السيطرة على بلدات في ريف إدلب، وتخوض الحروب ضد الأكراد،
وبالتالي هي قوى ظلامية، وجهادية، وطائفية، و”شوفينية” تسمّم المناطق
المحررة، وتصبح مواجهتها من مهمات الجيش الحر المباشرة، ويصبح على القوى السياسية،
الدعم السياسي والمالي للجيش الحر، وإغلاق كامل الحدود أمام الجهاديين القادمين
عبر تركيا أو سواها، وإيقاف كل أشكال الدعم المقدم لها عبر الحدود، وتخصيص قوات
عسكرية من الجيش الحر لمواجهتها في كامل سورية، وإنهاء وجودها؛ والكف عن السياسة الرديئة
والانتهازية التي تعتمدها أوساط الائتلاف الوطني والإخوان المسلمين وسواهم، إزاء
كارثة تدمير الثورة بحجة حماية الثورة ومحاربة النظام.
النصرة وداعش، وما يشبهها، لا تحارب النظام ولا الأقليات
بشكل فعلي، بل تحارب أهل الثورة وكتائب الجيش أولاً، وهم من يشكل هاجسها الأساسي
بالتحديد. يستطيع الجيش الحر، مواجهتها، وتصفية وجودها، وهو يحارب النظام بالوقت
ذاته؛ فالنظام لم يعد يشن حروباً أرضية في معظم مناطق سورية، وقواه أضعف من مواجهة
قوى الجيش الحر، وبالتالي ما ينقص الجيش الحر، هو ما يقوى الجهادية والنظام، وأقصد
ما ينقص الجيش الحر، هو إستراتيجية للقتال، وتحديد أهدافه، وتفتت كتائبه، والتضييق
عليه مالياً وعسكرياً، لإخضاعه بشكل متواصل، ولمنعه من أن يتشكل كقوة عسكرية قادرة
على حسم الصراع ضد النظام؛ نعم، لقد مرّ عام
كامل، ولم يحرز النظام أية انتصارات، ورغم استقدامه لسلاحين كما أشرنا سابقاً،
وبالتالي الكفة لصالح الثورة؛ هذا الوضع هو ما أجّج دور داعش والنصرة وسواها، وهو
ما يعرفه الجيش الحر، أي أن اندحار النظام، هو أساس ما تقوم به داعش، كي تسيطر على
الأرض في حال استطاع الجيش الحر إنهاء النظام أو انهار لسبب أو لأخر.
وإذ يتهاوى النظام كما أشرنا، وإذ تتوسع أرض الثورة والمناطق
المحررة، وإذا تحاول الأطراف الدولية والإقليمية بما فيها الروس، للعمل على تسوية
للوضع في سورية، فإن الجيش الحر، معني في هذا اليوم أكثر من أي يوم آخر، توحيد
صفوفه، وتحديد استراتيجيته القتالية وأنه يستهدف العمل لصالح كل السوريين، وبأنه يرفض
الاتجار به لصالح سياسات إقليمية ودولية، وتوجيه انتقادات للائتلاف الوطني وللإخوان،
ولسواهم في الابتعاد عن اللعب على قضية داعش والنصرة وسواها، وتحديد موقف سياسي
ينهي وجودها تماماً، وانسحاب كامل الكتائب من البلدات والمدن والقوى المحررة، وأن
تتمركز حصراً على جبهات القتال وتحت قيادة الجيش الحر في المدن وفي سورية، ويشكل
رفض هذه الفكرة بمثابة العمل مع النظام ضد الثورة، وتصبح كل كتيبة ترفض الإذعان
لهذا الأمر بمثابة قوات داعمة لجيش النظام. هذا التوجه، هو ما يساهم في تطوير
الثورة حالياً، ويخرجها من أيدي المتاجرين فيها، ومن سوق النخاسة الدولية، وبيع
بأجساد الشهداء والمعتقلين.
يقع على تركيا والسعودية وغيرها من الدول الإقليمية،
إنهاء مسلسل إدخال الجماعات الجهادية إلى سورية أو دعمها، فالمستفيد الأول والأخير
منها هو النظام، فهي جناحه المقاتل ضمن صفوف الثورة لدحرها؛ النظام ضعيف جداً،
والجيش الحر مربك بمشكلاته كثيراً، وداعش ومن يدعمها تحاول تدعيم سلطاتها.. فهل
يتوسع عقل السياسيين السوريين بعيداً عن عقلية الابتذال، ويفهمون تعقيدات مشكلات
الثورة، ويتم تحديد داعش والنصرة بشكل رئيسي كقوى داعمة للنظام؛ ويجب إنهائها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث