دمشق – ريان محمد
لا تعد الهدن جديدة على مناطق ريف دمشق وغوطتيها، فقد بدأت بدخولها منذ نهاية عام 2012، جراء الحصار الذي فرضه النظام عليها، مع الاحتفاظ بكتلة كبيرة من قواته النظامية والميليشيات الموالية له داخل تلك المناطق. وقد أخذ الحصار شكلا متذبذبا بين شد ورخي، حيث تمر يسمح النظام في بعض الأيام أيام بمرور القليل من المواد الغذائية والطبية، لتعقبها أشهر من الحصار المطبق، محولا تلك المناطق إلى جزر معزولة تخضع لسيطرة الفصائل المعارضة، ومانعا عنها كل الخدمات الأساسية من كهرباء وماء ونقل نفايات، إضافة إلى المواد الغذائية والطبية والوقود، ما تسبب بكوارث إنسانية، مات إثرها العشرات جوعا وأصيب آخرون بالأمراض المنتشرة لسوء الوضع الصحي.
شهدت الأيام الأخيرة عودة الحديث عن الهدن والتسويات ما بين النظام والفصائل المسلحة المعارضة، التي تسيطر على أحياء من دمشق ومناطق من ريفها، كقدسيا والهامة والزبداني ووادي بردى، كما تواردت أنباء عن هدن جديدة في جنوب دمشق وغوطتيها الشرقية والغربية، لكنها لم تؤكد إلى اليوم.
قال فائز، ناشط معارض من دمشق، لـ”صدى الشام”: “بدأ النظام أخر إجراءاته بموضوع الحصار والضغط على المناطق الثائرة في دمشق وريفها، منذ نحو أربعة أشهر، حيث اختلق حوادث امنية، موجها تهما بخطف عناصره للفصائل في مناطق مثل قدسيا والهامة والتل، في حين كانت مشكلته مع وادي بردى هي قطع مياه نبع بردى عن دمشق، أما الزبداني فملفها أكثر تعقيدا، وله خلفيات تتعلق بتأمين مناطق “حزب الله” اللبناني على الحدود السورية اللبنانية، وطريق دمشق بيروت”.
ويتابع فائز: “القاسم المشترك لسياسات النظام تجاه تلك المناطق، هو اعتماده على التجويع حتى الترويض، حيث جعل رغيف الخبز جائزة تنفيذ الأمر بحذافيره، وخلق ضابطة داخلية في تلك المناطق للتأكد من تنفيذ الأوامر مقابل الشيء اليسير من الطعام، والذي يبقى بالنسبة لكثيرين أفضل من عدمه. كما أنه حوّل الناس التي كانت قبل سنوات ترفع صوتها مطالبة بالكرامة والحرية، لأشخاص لا يريدون سوى إطعام عائلاتهم”.
القاسم المشترك لسياسات النظام تجاه المناطق المحاصرة هو اعتماده على التجويع حتى الترويض
من جنبه، قال محمود الدمشقي، ناشط إغاثي في قدسيا: “قبل أيام، تم ترحيل 134 شخصا مع عائلاتهم، من قبل المعارضة المسلحة المسيطرة على قدسيا منذ نحو ثلاثة أعوام، إلى مدينة إدلب، نتيجة اتفاق جديد مع النظام، اشترط الأخير فيه الترحيل مقابل فك الحصار. إلا أن أياما مرت على الترحيل وما زال الحصار الخانق مفروضا، والنظام يماطل ولا يفي بوعوده، خاصة فيما يخص إدخال المواد الغذائية”.
وأضاف الدمشقي: “المشكلة اليوم أن قدسيا والهامة ملجأ لعشرات ألاف النازحين من باقي المناطق السورية، ما يعني أن أي عمل عسكري سيؤدي إلى إزهاق أرواح الكثير من السوريين المدنيين، لما تعتمده القوات النظامية في مواجهاتها من قصف عشوائي ومدمر”، معتبرا أن “هذا السبب هو ما يحول دون فتح معارك جديدة من قبل الفصائل المسلحة في المنطقة، وخاصة أن تلك المناطق تمتد من قدسيا إلى القلمون، وما يفصلها عن بعضها البعض حواجز للنظام يمكن السيطرة عليها”.
وحذر الدمشقي من أن “هناك ضباطا من القوات النظامية يتحكمون بملفات قدسيا وغيرها من مناطق ريف دمشق، ويعملون على تعطيل الهدن من أجل مكاسبهم المادية، والتي تأتي من التجارة بالاحتياجات الإنسانية وملف المعتقلين والملاحقين من النظام أمنيا، وحتى السلاح، قد يفجر المواجهات المسلحة بين الفصائل المسلحة المعارضة والنظام ليصبح الموت المصير المحتوم أو التهجير”.
هناك ضباط من القوات النظامية يتحكمون بملفات قدسيا وغيرها من مناطق ريف دمشق، ويعملون على تعطيل الهدن من أجل مكاسبهم المادية
بدورها، قالت هند، ناشطة مدنية في بلدة مضايا المحاصرة، لـ”صدى الشام”: “منذ أشهر بدأ النظام بجلب العائلات النازحة من الزبداني وغيرها من المناطق المجاورة، وحشرهم في بلدة مضايا، ليصل عدد العائلات من الزبداني 1300، ومن مضايا 2200 عائلة، ومن بقين 350 عائلة، و100 عائلة من غوطة دمشق، في ظل حصار كامل ومنع خروج المدنيين حتى الأطفال، ما جعل المخزون الغذائي ينفذ قبل نحو ثلاثة أشهر”.
وتتابع “اليوم، لا يوجد في مضايا سوى أوراق الشجر والماء، وهي الوجبة الرئيسية للجميع، ما يهدد حياة الأطفال وكبار السن. في حين تحولت النساء والرجال إلى هياكل عظمية”. معتبرة أن “الجوع لم يترك مجالا أمام الفصائل المعارضة إلا عقد هدنة مع النظام، وهي أقرب إلى الاستسلام، عبر توقيع اتفاق ينص على تسليم السلاح بكافة أشكاله، والسماح للقوات النظامية بالدخول إلى جميع المناطق، مقابل معالجة ملف المتخلفين عن الخدمة العسكرية والمنشقين، حيث يتم إبقائهم في المنطقة، وإدخال المواد الغذائية والوقود وإعادة الخدمات، على أن يخرج كل من لا يقبل بالاتفاق إلى جهة أخرى يعتقد أنها إدلب، إضافة إلى بعض التفاصيل الأخرى”.
وبينت أنه “حتى هذا الاتفاق الذي قُدّم عبر السفير الروسي في دمشق، لم يطبق إلى اليوم ومازلنا نعاني من الجوع، في حين لا نتلقى سوى الوعود”.
وعلمت “صدى الشام” من مصادر مطلعة، أن “تسارع الاتفاقات في ريف دمشق يعود إلى طلب الروس من النظام، العمل على إنجاز تسويات في مناطق الحصار هذه، وتوجيه القوات القائمة على هذا الحصار إلى الجبهات، حيث هناك نقص في الجنود، في حين يتم تعويضهم في تلك المناطق عبر تشكيل جماعات مشتركة بين المسلحين المحليين وبقايا الفصائل، لحفظ الأمن”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث