الرئيسية / رأي / حرب إعلامية ثالثة

حرب إعلامية ثالثة

ثائر الزعزوع

قد تقع حرب عالمية ثالثة، هذا ما يتوقعه المراقبون، وخاصة بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل الطيران التركي والضجة الإعلامية الكبيرة التي رافقتها، وقد انشغلت القنوات التلفزيونية العربية والعالمية بالحدث، وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والأخبار التي يمكنني الجزم أن ثلاثة أرباعها لا صحة لها، وعاد الرئيس التركي أردوغان إلى الواجهة حاملاً “لواء الحق” في “وجه الباطل”، كما يقول الكثير من السوريين الذين يرون في الرجل زعيماً بكل ما للكلمة من معنى، ولا بسبب ما قدمه للاجئين السوريين والذين يطلق عليهم تسمية المهاجرين، ولكن لما قدمه لبلاده التي شهدت نهضة اقتصادية مهمة خلال السنوات التي تولى فيها حزب العدالة والتنمية الحكم. ولم يكن السوريون وحيدين في حملة تنصيب أردوغان زعيماً، بل انضم إليهم مصريون من الذين شهدوا انهيار حلم الدولة المدنية في مصر بعد الانقلاب العسكري، وتحولوا إلى مطاردين بعد أن كانوا يحلمون بنهضة تشبه النهضة التركية. ولم يقتصر الأمر على الرئيس التركي فحسب، بل تعداه إلى رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو، الرجل الشجاع والعقل المدبر كما يسميه المحللون، وصولاً إلى الطيار التركي الذي أسقط السوخوي الروسية، والذي انتشرت صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة ملفتة للنظر، وهذه المرة الأولى ربما التي لا ينقسم فيها السوريون المعارضون إلى فصيلين كما حدث في الكثير من المرات والأحداث السابقة، بل إنهم اتحدوا جميعاً على كراهية روسيا والإشادة بما فعلته تركيا. وأكد الكثيرون أن تركيا لن تسمح لروسيا بالاستفراد بالموقف، وستتخذ خطوات مستقبلية كفيلة بردع الدب الروسي وهزيمته، لكن بالمقابل وعلى الضفة الأخرى، وقع خبر إسقاط الطائرة الروسية وبعده بقليل المروحية، وقوع الصاعقة على معسكر المؤيدين الذين أحسوا بصدمة لتلقيهم مثل هذا الخبر الخطير، فارتبك محرر الشريط الإخباري في قناة الدنيا وارتكب خطأين في صياغة خبر من عشر كلمات ليكتب بوتان بدل بوتين ويكتب سيروا بدل روسيا. وبدأت الإخبارية والفضائية التصعيد متوقعين في لحظة وأخرى أن الرئيس الروسي سوف يرسل جيوشه لاجتياح تركيا واحتلال عاصمتها، وربما اعتقال الرئيس أردوغان وإرساله إلى أحد المعتقلات أسيراً. وذهب الأمر بهم إلى القول إن الرئيس بوتين فعلاً أمر قواته بالاستعداد للهجوم الكبير، وأن عشرات بل مئات الطائرات من فئة السوخوي وأخواتها، باتت على أهبة الاستعداد للانطلاق وإحراق أخضر تركيا ويابسها، واجتهد أحد محللي الإخبارية ليقول من هي تركيا أصلاً لتقف في وجه القيصر بوتين؟ وقد تناسى هؤلاء الجهابذة أن تركيا هذه التي ينظرون إليها وكأنها دويلة صغيرة، هي عضو مؤثر في نادي العشرين الكبار، وقد استضافت قبل أسبوع فقط اجتماعاً لقمة العشرين، وهي أيضاً عضو في حلف شمال الأطلسي، وأن تركيا هذه التي ينظرون إليها باستخفاف، كانت واحدة من أقوى الامبراطوريات في العالم. هذا كله وضعوه خلف ظهورهم وتحدثوا بطريقة مثيرة للضحك عن قوة الجيش الروسي، وكأنهم فعلاً يعرفون شيئاً عن منظومة السلاح الروسية، بل كأن بوتين قد أطلعهم شخصياً على خططه المستقبلية، وتناسوا منظر رئيس عصابتهم الذليل قبل أسابيع حين استدعاه بوتين إلى موسكو وأجلسه على كرسي قبالته ولقنه ما يجب أن يفعله.

 

أما عن الحرب العالمية الثالثة التي يتحدث عنها المتابعون، والتي باتت وشيكة الحدوث وقد تكون حادثة إسقاط الطائرة بدايتها، فهي عبارة عن تكهنات إعلامية ولا علاقة لها لا بعنتريات محور المقاومة السخيف، والذي يرفع عقيرته ليقول إن الرئيس بوتين لن يسمح لإسرائيل بالانتصار على محور المقاومة، وكأن بوتين وإسرائيل عدوان، وليسا صديقين بينهما تنسيق متواصل على أعلى المستويات. أو أن يقول المعارضون إن الرئيس التركي لن يسمح لروسيا بالاستمرار بقصف السوريين، فهذا كلام سخيف ولا قيمة له أيضاً، لأن الحقيقة تقول إن روسيا لم تأت بالأمس لتضرب السوريين، فهي موجودة منذ خمس سنوات بشكل غير مباشر ومنذ شهرين بشكل مباشر وعلني. لكن ما يهم أردوغان أولاً وأخيراً هو مصلحة بلاده ومواطنيه، سواء أكانوا داخل تركيا أم خارجها، وهو حريص على أن يظل رجل تركيا القوي، وهو ما يفكر فيه بوتين تماماً، لكن بخلاف أن بوتين يبحث عن مخرج لأزمته التي وجد نفسه متورطاً فيها، ويعرف أنها لن تنتهي لا بأشهر كما قال، ولا بسنوات، ما دام مصراً على حماية معتوه المهاجرين، وسيجد نفسه مضطراً للرضوخ للأمر الواقع، وبلع “الإهانة” التركية له.

 

إذاً، برأيي، الأمر لا يعدو كونه حرباً إعلامية حماسية مثيرة، ولكن… ما أدرانا، فنحن وللأسف متفرجون وضحايا، ولسنا لاعبين.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *