الرئيسية / سياسي / ميداني / مواد محلية مختارة / سائق الحافلة شاهد على التغريبة الدمشقية

سائق الحافلة شاهد على التغريبة الدمشقية

صدى الشام - مجد أمين/

يجلس أبو علي 48 عاما خلف مقود الحافلة، وعلى كرسيها الكبير، حافلة من نوع “مرسيدس” تعود ملكيتها لإحدى شركات النقل، يعمل موظف كسائق لها.

وصل أبو علي مع حافلته ضمن قافلة المهجرين إلى معبر أبو الزندين عند المدخل الرئيسي لمدينة الباب شمال شرق حلب، وما زال لليوم العاشر على التوالي جالسا خلف مقود الحافلة التي تقل خمسين مهجرا من جنوب دمشق منتظرا السماح للمهجرين بالدخول كي يعود إلى عائلته التي تنتظره.

البداية من ساحة الأمويين

“الحظ السيء وتوقيت مروري في ذلك اليوم بساحة الأمويين أثناء عودتي لتوي من سفرة لي، أوصلتني إلى حالي هذه الآن” يقول أبو علي، مضيفا : دورية من المخابرات التابعة لنظام الأسد احتجزت الحافلة التي أعمل عليها وأبلغت بالتوجه في اليوم التالي إلى مدينة يلدا، في “مهمة وطنية رسمية”، هي مهمة تساهم في تحقيق التجانس الذي لطالما تحدث عنه رأس النظام عبر تهجير أصحاب الأرض وقلعهم من بيوتهم، وفق وصفه.

يتحدث أبو علي مع صحيفة “صدى الشام” عن وصوله في اليوم التالي إلى جنوب دمشق، قائلا : “لم يكن لدي أي خيار إلا أن أنفذ التعليمات، وتوجهت بالحافلة نحو جنوب دمشق، وعلى مدخل البلدات الثلاث نصب حاجز ضخم للجيش أوقفني قليلا ثم بصراخ ولهجة ساحلية أمرني أحد العناصر بالدخول باتجاه البلدات، متظاهراً بخوفه على سلامتي قائلا دير بالك من الإرهابي”

“حافلات التهجير” في سوريا صفة التصقت بحافلات النقل التي من المفترض أن تعمل على نقل الناس في المدن للعمل أو للسياحة

يكمل أبو علي “لست من أصحاب القلوب القوية، ولا أنكر أنني تصببت عرقا عندما ذكرني العنصر أنني سأدخل باتجاه بلدات يسيطر عليها الإرهابيون، بحسب ما رسخت قنوات وإذاعات النظام بأذهاننا، تحوقلت واحتسبت الله، وقرأت آية الكرسي ودخلت المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة”

مبتسماً ابتسامةً خفيفة، مع كثير من الألم وهو يشعل “سيجارته” بولاعة تعذبه في هذا الجو الرطب والماطر، يسخر أبو علي من نفسه ومن رواية النظام عن المناطق المحررة “قال إرهابيين … قال … لم أعرف عن أي إرهابيين يتحدثون.. آلاف من الأطفال والنساء والشيوخ كانوا يفترشون الأرض بانتظار الباصات، لا ترى في أعينهم إلّا الدمع ولا ترى في تفاصيل وتعابير وجوههم إلا هموم تعجز الجبال عن حملها، وعشرات من الشباب تحمل بنادقها الخفيفة وفقط، كانوا سوريين وفلسطينيين من سكان تلك المنطقة منذ عشرات السنين، ليسوا أجانب ولا إسرائيليين كما قال تلفزيون سما، وليسوا مجرمين أو مخيفين كما حذرني حاجز النظام المجاور، والعلاقة بين المدنيين وبين حاملي السلاح ودية جدّا، فلا ترى إلا مسلحا يساعد عجوزاً، وآخر يداعب طفلاً كي ينسيه ألم فراق ملعب حارته، أو ذكريات مدرسته التي ربما لن يراها مرة ثانية، فلا أدري عن أي إرهاب يتحدثون فهل هؤلاء الضعفاء المهجرون هم الإرهاب أم من سيفرق بينهم وبين أرواحهم في بيوتهم وحاراتهم.”

استمرت عملية التهجير من بلدات جنوب دمشق على مدى أسبوع خرجت خلالها سبع دفعات توزعت على ريف إدلب وريف حلب.

الصعود على الباصات

يضيف أبو علي “كان سكان يلدا وبيت سحم وببيلا قد نظموا أمورهم عبر لجان مختصة، سجلت القوائم ووزعت الأسماء التي بدأ النداء عليها للركوب في الباصات، نزلت من الباص وفتحت الأبواب وفتحت حقائب الحافلة، ووقفت جانباً قريبا من الذين يصعدون إلى حافلتي التي سيرافقها العار إلى الأبد كونها إحدى أدوات هذه الجريمة الشنيعة، مبكي ومضحك ما حمله الناس معهم من حقائب وأمتعة فقد أخذوا في هجرتهم هذه بعضاً من طعام، و أكياس صغيرة من النايلون لفّوا فيها وثائقهم الشخصية وعقود تملك بيوتهم التي لا يدرون هل يعودون إليها يوماً ما أم لا، إحدى العجائز كانت تحمل شيئاً واحداً، كان شتلة ياسمين أخبرتني أنها ستزرعها أمام خيمتها في المخيم الذي ستصل إليه بينما حمل أحد الأطفال الذي لا يتجاوز الثامنة معه دراجته الصغيرة وسمعته يقول لأمه “بكرا رح اتسابق أنا والولاد هناك ورح فوز عليهم” ، امتلأت حافلتي فصعدت خلف المقود وأقفلت الباب وكأني أقفل باب السجن عليهم، ثم انطلقنا والمقصد ريف حلب”

شركاء الوطن

يخرج أبو علي جواله من جيبه، ويقول بكثير من السخرية “هل ترى هؤلاء الذين في الصورة، ليسوا واضحين جدا، فقد صورتهم على ضوء الحافلة، هؤلاء هم شركاء في الوطن كما علمونا دائما، عندما أرادوا أن يكذبوا علينا، هؤلاء صادفناهم بعد عشر ساعات على مغادرتنا دمشق، كانوا قد انتظرونا على إحدى الطرقات الواصلة بين حمص و حماه، لا تتوقع أنهم جاؤوا لرش الرز والسكاكر كما ترى في بعض الأفلام ، إنما اجتمعوا ليرموا الحافلات بالحجارة و ليسبوا الناس المهجرة المظلومة بأشنع الألفاظ، مئات من الشباب على دراجات نارية وسيارات دفع رباعي يركبونها، مستمعين لهتافات لم نعتد عليها..”

يواصل الحديث متنهداً بزفرةٍ قد تثير عاصفةً، يتمتم أبو علي “انتهينا من قصة شركاء الوطن، و تجاوزنا الأمر ببعض الأضرار القليلة بنوافذ الحافلة ووصلنا إلى حدود المناطق المحررة من جديد، ظن الجميع وأنا منهم أن المعاناة قد انتهت، وأنّه بمجرد الوصول إلى المعبر الفاصل بين النظام والمعارضة، سوف تستقبلهم الناس بالزهور والورود والعراضات، لكن وللأسف، كان الوضع مختلفا تماما، فقد منعت القوافل من دخول المنطقة المحررة، و بقيت مئات الحافلات وحافلتي بما فيها من أناس في العراء، دون أي مقومات من مقومات الحياة الإنسانية، لا طعام لا شراب و لا كوادر طبية تخفف من آلام الكثيرين، تحركت عليهم أوجاع أجسادهم مع أوجاع قلوبهم الملتهبة على فراق الديار”.

شاهد أيضاً

مجزرة مروعة راح ضحيتها 15 مدنيا في مدينة منبج بريف حلب الشرقي

أنس عوض  – صدى الشام   قُتلت 11 امرأة وثلاثة أطفال ورجل واحد وإصابة آخرين …

قتيلان من قوات النظام السوري بهجوم لـ”داعش” بين الرقة ودير الزور

قتل عنصران من قوات النظام السوري وجرح ثالث في هجوم لتنظيم “داعش” الإرهابي ليل الجمعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *