صدى الشام _ عدنان علي/
مع اتجاه تنظيم “داعش” إلى الانحسار على الأراضي السورية بعد خسارته أهم معاقله في الرقة ودير الزور بانتظار معركة الحسم في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق، يبدو أن الصراع العسكري والسياسي سوف يتخذ شكلاً جديداً بين القوى التي كانت تحارب “داعش” في الشهور الأخيرة بهدف الاستحواذ على مناطق التنظيم (والمتمثلة بقوات نظام الأسد المدعومة إيرانيّاً وروسيّاً بالإضافة إلى “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة أميركياً)، وسيتمحور النزاع بشكل خاص حول حقول النفط ومدينة الرقة التي أعلن النظام وحلفاؤه أنهم سيتقدمون لانتزاعها من الميليشيات الكردية.
ما بعد دير الزور
وسيطرت قوات النظام على كامل مدينة دير الزور بعد أشهر من القتال مع تنظيم “داعش”، لينحسر وجود التنظيم في آخر معاقله بمدينة البوكمال على الحدود العراقية، والتي تشكل مع مدينة الميادين ومدينة ديرالزور اللتين سيطرت عليهما قوات النظام في وقت سابق، مجمل محافظة دير الزور التي تعد ثالث أكبر محافظة في البلاد من حيث المساحة (33 ألف كلم2) وأغنى محافظة بالثروات الباطنية والزراعية.
وقد قتل وأصيب مئات المدنيين في الأيام الأخيرة بدير الزور خلال وبعد السيطرة على المدينة نتيجة الغارات الجوية والقصف المدفعي وتفجير سيارة مفخخة قرب تجمع للنازحين.
وتقع مدينة دير الزور شرقي سوريا على بعد نحو 450 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة دمشق، على مقربة من الحدود مع العراق، يقسمها نهر الفرات قسمين، وأغلب أحيائها تقع على الضفة الغربية من النهر.
وتعتبر سيطرة النظام على المدينة وعلى جزء كبير من المحافظة بشكل عام، إنجازاً هاماً لصالح النظام من المُتوقع أن يُستكمل بسيطرته على مدينة البوكمال خلال الفترة القريبة المقبلة، وهو ما يتيح له استعادة بعض مصادر النفط والغاز، ويجعله في وضع مريح أكثر لمحاولة السيطرة على بقية مناطق المحافظة التي تتقاسمها معه الميليشيات الكردية، وخاصّةً حقول النفط التي سيطرت عليها تلك الميليشيات مؤخراً.
الحل العسكري
وفي الوقت نفسه تسعى قوات النظام للتقدم في محور المحطة الثانية جنوبي مدينة البوكمال بغية الوصول إلى المدينة الحدودية قبل ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من التحالف الدولي ضد “داعش”.
وذكر”الإعلام الحربي المركزي” التابع للنظام أن قوات الأخير حققت تقدماً ضمن عملية “الفجر 3” باتجاه البوكمال انطلاقاً من المحطة النفطية الثانية حيث قطعت مسافة تقدر بحوالي 11كم شرقي المحطة الثانية في ريف دير الزور الجنوبي باتجاه الحدود العراقية بعد اشتباكات مع تنظيم “داعش”.
ومن جهتها سيطرت ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” على المزيد من القرى في ريف دير الزور الشمالي الشرقي بعد معارك مع “داعش”، وذلك ضمن حملة “عاصفة الجزيرة” التي تشنها ضد التنظيم بدعم التحالف الدولي.
وبالتوازي صدرت تصريحات عدة في الأيام الأخيرة عن مسؤولي نظام الأسد وحلفائه بشأن اعتزام قوات النظام التوجه قريباً إلى مدينة الرقة لانتزاعها من يد الميليشيات الكردية التي كانت سيطرت عليها في وقت سابق بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وبعد أن صرح مصدر في وزارة خارجية النظام أن “مدينة الرقة ما تزال محتلة، ولا يمكن اعتبارها مدينة محرّرة إلا عندما يدخلها الجيش السوري”، قال علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني في تصريحات له من بيروت إن قوات نظام الأسد ستتقدم قريباً لانتزاع مدينة الرقة من “قوات سوريا الديمقراطية” التي تدعمها الولايات المتحدة، متهماً الأخيرة بالسعي لتقسيم سوريا إلى قسمين عبر نشر قواتها إلى الشرق من نهر الفرات.
وفي المنحى ذاته، جاء التصريح الصادر عن القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية بأن “الحل العسكري هو الخيار الوحيد للتعامل مع المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد” في سوريا.
وكانت “قوات سوريا الديمقراطية” أعلنت بعد سيطرتها على المدينة منتصف الشهر الماضي أنها ستسلم إدارة المدينة وريفها إلى مجلس الرقة المدني، بينما ستتولى قوى الأمن الداخلي حماية أمنها، وقد بادرت إلى سحبت التشكيلات الكردية من المدينة، ونشرت مكانها مقاتلين عرب، وأعلنت أنها ستعمل على حماية حدودها من أي “اعتداء خارجي”، في رسالة بدا أنها موجهة إلى قوات نظام الأسد.
ويرى مراقبون أن الميليشيات الكردية تحاول فرض أمر واقع في المدينة يمكنها من السيطرة عليها ولو عبر ممثلين من القبائل العربية، وذلك بالنظر إلى أهمية الرقة الاستراتيجية بالنسبة للمشاريع الكردية كونها تمثل صلة الوصل بين الحسكة شرقاً وعين العرب (كوباني) وعفرين غرباً.
ورأى محللون أن توتر العلاقات بين واشنطن من جهة، وموسكو وطهران من جهة اخرى قد يدفع الأخيرتين إلى دعم توجُّه قوات نظام الأسد إلى الرقة، بهدف السيطرة عليها بالقوة أو عبر تفاهمات خاصة مع انتهاء عهد “تحالف المصلحة” الذي كان قائماً بين الجانبين ضد تنظيم ” داعش” في ظل الانحسار المتواصل لقوة التنظيم، ما يعني أن المرحلة المقبلة سوف تتسم بالتصادم بين القوى المتقاتلة على تركته، وأبرزها قوات النظام المدعومة من موسكو وطهران والميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.
زيارات وجولات
تشهد منطقة مطار أبو الظهور والريف الشرقي لمحافظة إدلب تحليقاً مكثفاً لطيران الاستطلاع لرصد أي تحركات عسكرية في المنطقة، فيما يبدو أن نظام الأسد ينوي القيام بعملية عسكرية للسيطرة على المطار، وسط حديث عن تقسيم إدلب إلى 3 مناطق نفوذ.
وترتسم ملامح الصراع على إدلب عبر صعيدين: سياسي من خلال مسار أستانا، ومن خلال التفاهمات التركية الروسية المعلنة أو غير المعلنة، والتي يتداخل فيها نظام الأسد وإيران، وعسكري، إذ تتخذ الأطراف المختلفة خطوات على الأرض، سواء في إطار تنسيقي أو تنافسي.
في المسار السياسي، أعلن رئيس الوفد الإيراني في ختام مفاوضات أستانا الأخيرة أن الدول الضامنة وهي إيران وروسيا وتركيا، ستنشر كل منها 12 نقطة مراقبة في منطقة إدلب في إطار تنفيذ اتفاق خفض التصعيد.
وعلى الأرض، زارت فرق استطلاع تابعة للجيش التركي مواقع تخضع لسيطرة المعارضة السورية المسلحة في مناطق عديدة في أرياف اللاذقية وحماة وإدلب الجنوبي .
وقالت مصادر محلية إن الهدف من هذه الجولة تفقد الأماكن التي يمكن لتركيا أن تقيم عليها 12 نقطة مراقبة ضمن اتفاق “تخفيض التصعيد”. وزار الوفد العسكري التركي جبل العكاوي قرب مدينة جسر الشغور جنوب غرب محافظة إدلب، وقلعة شنبر في ريف اللاذقية، إضافة إلى جبل التركمان بريف اللاذقية الشمالي، وكانت تركيا انتهت من تثبيت نقاط للمراقبة في محور جبل سمعان بريف حلب الغربي، وقرية صلوة بريف إدلب بالقرب من جبهات القتال مع المليشيات الكردية.
مطار أبو الظهور
يأتي ذلك، في وقت تدور تكهنات تؤيدها معطيات على الأرض، عن نية قوات النظام مدعومة بالمليشيات الإيرانية، القيام بعملية عسكرية تستهدف خصوصاً السيطرة على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، وسط ضبابية في مضمون الاتفاقيات الدولية بين الضامنين لتطبيق اتفاق “خفض التصعيد”، وحديث عن تقسيم إدلب إلى ثلاث مناطق، واحدة تحت الحماية الروسية، تكون منزوعة السلاح، وأخرى تحت الحماية التركية، وثالثة ينحصر فيها الوجود المسلح لـ”هيئة تحرير الشام” والفصائل الأخرى، وما رجح هذا السيناريو العملية العسكرية التي بدأتها قوات النظام قبل أيام في ريف حماة الشرقي في قرية جب أبيض، وسبقها دخول عناصر تنظيم “داعش” إلى المنطقة، واشتباكهم المستمر مع “هيئة تحرير الشام” التي تسيطر على منطقة البادية، وسط اعتقاد بأن دخول عناصر التنظيم كان بتسهيل من قوات النظام بهدف إشغال “هيئة تحرير الشام” في معارك جانبية.
ورأى بعض المتابعين أن هدف ايران من هذه العملية العسكرية هو حماية قواعدها في ريف حلب، وفتح الطريق باتجاه بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب، وتأمين طريق خناصر- أثريا ومعامل الدفاع في الراموسة، إضافة إلى فرض نفسها كلاعب قوي في رسم أية سياسات مستقبلية حول سوريا، مستبعدين أن تتمكن من الوصول إلى مطار أبو الظهور، خصوصاً في ظل ما يشاع عن تفاهمات دولية بين الأطراف الضامنة لأستانا، ودور تركيا المقبل بفرض سيطرتها على مطاري تفتناز وأبو الظهور.
حصار بيت جن
وفي جنوبي البلاد، استعادت قوات النظام والميليشيات التي تقاتل إلى جانبها، المناطق التي سيطرت عليها فصائل معارضة على أطراف بلدة حضر في ريف مدينة القنيطرة السورية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة.
وقالت مصادر متطابقة إن قوات النظام مدعومة بميليشيات ولجان شعبية سيطرت على معظم المناطق التي تقدمت إليها فصائل المعارضة السورية، وأعادت فرض الحصار على بلدة بيت جن ومزرعتها في الغوطة الغربية بريف دمشق، وذلك بعد معارك عنيفة بين الجانبين.
وفيما اتهمت مصادر إعلامية تابعة للنظام فصائل المعارضة السورية بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي في هجومها لفك الحصار عن بلدة بيت جن، قالت بعض مصادر المعارضة إن المدفعية الاسرائيلية أسهمت في قصف مواقع المعارضة في المنطقة إلى جانب مدفعية النظام.
وكان الناطق باسم جيش الاحتلال افيخاي أدرعي، أعلن أنهم ليسوا منخرطين لصالح أي طرف في العمليات العسكرية، مشيراً إلى أنهم مستعدون لمساندة بلدة حضر، ولن يسمحوا لفصائل المعارضة بالسيطرة على البلدة ذات الغالبية الدرزية.
وتخضع بلدات بيت جن ومزارعها ومغر المير، لحصار من جانب النظام وميليشياته منذ أكثر من عام، بعدما دخلت البلدات في محيطها في اتفاق “مصالحة” مع النظام، وتسعى قوات النظام منذ أكثر من شهر ونصف الشهر إلى اقتحام البلدة من خلال هجمات متتابعة ألقت خلالها مئات البراميل المتفجرة.
مؤتمر سوتشي
على الصعيد السياسي، أجّلت روسيا عقد مؤتمر “سوتشي” الخاص بسوريا وفق ما أعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن.
وقال كالن إن روسيا أبلغت تركيا بتأجيل المؤتمر، دون أن يصدر تصريح رسمي عن موسكو بخصوص إلغاء المؤتمر الذي تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأول مرة في تشرين الأول الماضي، وكان من المقرر عقده في 18 تشرين الثاني الجاري.
وكانت وزارة الخارجية الروسية وضعت أحزاب ومنظمات كردية في قائمة بالمنظمات والجماعات التي دعتها للمشاركة في المؤتمر، ومن بينها “حزب الاتحاد الديمقراطي” و”حزب الاتحاد السوري” و”المجلس الوطني الكردي”، إضافة إلى 30 منظمة أخرى.
وقد رفضت قوى المعارضة السورية المؤتمر واعتبرته خروجاً عن مسار جنيف، ولم يوافق عليه سوى بعض الأحزاب المقربة من النظام ومقرها في دمشق، إضافة إلى نظام الأسد نفسه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث