صدى الشام - شهرزاد الهاشمي/
من اللافت أن ترى أحد مؤيدي النظام يشتم وزير “المصالحة” ويجعل منه منفضة سجائر أو سلة نفايات يرمي بها كل ما هو بذيء يخرج من فمه، قد تكون تلك من الحرية التي بات ينعم بها مؤيّدوا النظام، لكن ذلك الشخص لا يجرؤ على الهمس بداخله ولو بهمزة واحدة ضد بشار الأسد.
اعتراض ذلك المؤيد الذي ظهر في تسجيل فيديو على وزير “المصالحة” كان من باب طائفي، لأنه يرى أن “المصالحة” تُضيّع دم ولده الذي كان يقاتل بصف النظام، وذلك الاعتراض لا يتنافى مع نظرية التجانس التي أطلقها بشار الأسد، والذي علل من خلالها قتله للمعارضين على المبدأ الطائفي.
وفي ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي لم يعجب اتفاق التهجير مناصري النظام في المنطقة، يجب وفق مطالبهم إبادتها وقتل كل من فيها، ونقلت كنانة حويجة مع الممثل الروسي رسالة واضحة من سهيل الحسن هدد بحرق أولاد الرستن وسبي نسائها وقتل رجالها إن لم يغادروا المنطقة.
ليس بعيدا عن هذا التهديد يظهر آخر يدعى “زين العابدين مراد” في شريط فيديو يتعهد بحرق الشام بمن سكنها وقطع رؤوس الأطفال انتقاما لـ”زينب”، وذلك خلال جنازة أحد قتلى عناصر الميليشيات “الشيعيّة” وتسمى بـ”الجعفرية” قتل خلال المعارك مع تنظيم “داعش” في حي الحجر الأسود جنوب دمشق.
“زين العابدين” الذي ظهر في شريط الفيديو هو أحد سكان مدينة دير الزور لكن أصوله تعود إلى بلدة نبل الواقعة بريف حلب، وشارك بنشر “التشيع” عن طريق حملات مدعومة من النظام والفروع الأمنية في دير الزور منذ عام 2000 تاريخ استلام بشار الأسد للحكم في سورية.
وظهر ذلك العنصر محاطا بمجموعة تقوم بالهتاف “لبيك يازينب” “لبيك ياعلي”، وهي ظاهرة لدى معظم الميليشيات الطائفية التي يجندها النظام وإيران للقاتل ضد الشعب السوري، وتمثل تلك العملية نظرية التجانس بكل معناها.
تغنى زين العابدين بقطع رؤوس الأطفال في دمشق، مشيرا صراحة في كلامه إلى أن من سيقوم بذلك هم “الشيعة” أتباع “علي وزينب”.
هذه المظاهر سبقها العديد من حالات الابتزاز من خلال ممارسة الشعائر الشيعية في شوارع دمشق، وكان مسبقا ممنوع على أي طائفة ممارسة شعائرها خارج “دور العبادة”.
في مشهد آخر وفي نفس البقعة التي كان “زين” يتوعد بقطع رؤوس الدمشقيين، كان تنظيم “داعش” يقوم بإعدام عنصر قيل أنه ضابط تابع لقوات الأسد وذلك بطريقة إعدام مستوردة من عالم الأسد المتجانس، حيث ربط صاعق برأس الضابط وألقى به رأسا على عقب من بناء عالي في حالة تشبه تماما إلقاء النظام للبراميل فوق المدنيين.
وكان “داعش” أيضا قد استورد عملية القتل نحرا من نظام الأسد بعيد مجزرة الحولة وكرم الزيتون، كما تعلم الإعدام بالرصاص بعد مجزرة بابا عمرو والبيضاء وغيرها.
مشهد آخر من مشاهد التجانس يُرى لأول مرة في سوريا، فتاة تؤدي رقص “المولوية” على أناشيد دينية في إحدى المقاهي بمدينة دمشق، وسط مجموعة من الناس يشربون النرجيلة.
وعلى الرغم من أن المولوية هي ظاهرة أو تقليد ديني لمجموعة من متبعي الطريفة الصوفية إلا أنها لا تأتي بهذا الشكل عند أصحاب هذه الطريقة وعلى الرغم من وجود الانشاد الديني إلا أن هذه الطريقة لا تتم في المقاهي ومع النراجيل إنما في أماكن مخصصة، حيث تعتمد الطريقة على التقشف والزهد.
وتعرف دمشق الطريقة المولوية -التي تعود لأنصار جلال الدين الرومي- منذ عهود ويقوم بها النساء والرجال لكن بشكل منفصل.
واعتبر بشار الأسد في خطاب له العام الماضي أن السنوات الماضية أكسبته “مجتمعا صحيا متجانسا”، وعلى اختلاف التفسيرات حول مصطلع “التجانس” الذي أطلقه “بشار الأسد”، إلا أن معظم المحللين أرجعه إلى مقصد ديني بحت.
وجاء ذلك المصطلح بعدما هجر وشرد نظام الأسد خلال السنوات الماضية أكثر من سبعة ملايين سوري من الطائفة ذات الأغلبية، وحل محلهم مقاتلون ومرتزقة أجانب قدموا تحت دوافع طائفية من إيران وأفغانستان والعراق ولبنان وغيرها من البلدان.
الدّعاء للأسد على منابر الغوطة
وفي منظر لم يكن غريبا على السوريين، وفي كل جمعة يردح فيها شيخ على منبر في مسجد ما بحياة الرئيس ويدعوا له، وكان الكثير ممن لا يدعون للرئيس بلفظ اسمه تحديدا يلقون من النظام حسابا عسيرا.
وتحول الدعاء على منابر المساجد في الغوطة الشرقية في آذار عام 2011 من الدعاء لرئيس النظام “بشار الأسد” بالخير وطول العمر، إلى الدعاء عليه بأخذه “أخذ عزيز مقتدر”، والدعاء على نظامه وعائلته بالزوال.
فرض نظام الأسد على الخطباء الدعاء لـ”بشار الأسد” وعدم التطرق لأي موضوع خارج عن الخطبة الموزعة على المساجد.
بعد التهجير الذي أتمه نظام الأسد بالغوطة الشرقية ودوما مؤخرا عادت مشاهد الدعاء لـ”بشار الأسد” بطول عمره من جديد ليعلو بالقوة فوق منابر مساجد المنطقة.
وقال العديد ممن بقوا في المنطقة إن خطب صلاة الجمعة الماضية لم يتواجد فيها سوى القليل من الشيوخ الذين بقوا في المنطقة ويمكن حصر من حضر خطب الجمعة على أصابع اليد، حيث يحاول من بقي البقاء بعيدا عن أعين قوات النظام.
وعلى الرغم من تواجد القوات الروسية في تلك المناطق وعلى الرغم من تعهد النظام بعدم التدخل في حياة المدنيين إلا أنه أصدر قرارا من “وزارة الأوقاف” ألزم فيه خطباء المساجد بالدعاء لـ”بشار الأسد”.
وقال المواطن “محمد العلي” اسم استعاره للحفاظ على حياته إن الشيوخ والخطباء دعوا لـ”بشار الأسد” بطول العمر، والخير، والنصر على الإرهابيين، ودعوا له بالعزة، مشيرا إلى أن أحد الخطباء بقي خمس دقائق كاملة يدعى له، وفق ما نقله له أحد الأهالي الذين حضروا الخطبة في المسجد.
ونص القرار الذي اطلعت عليه “صدى الشام” بإلزام الخطباء بما سُمّي “المنهج الموحد للخطابة في الجمهورية العربية السورية” والمعمم على كمنهج وعناوين ومضمون، وعدم القيام بأي وظيفة دينية ما لم يتوفر التكليف اللازم وفق الأصول.
ونص القرار أيضا على الالتزام بمواعيد إقامة الصلوات والشعائر الدينية كافة حسب التوقيت المحلي المعتمد لمدينة دمشق وماحولها.
ونص القرار أيضا على الدعاء لـ”السيد الرئيس بشار الأسد في كل خطبة والتضرع إلى الله العلي القدر بأن يوفر لما فيه خير البلاد والعباد”، وذيل القرار بتوقيع مدير أوقاف محافظة ريف دمشق خضر أحمد فائز شحرور.
ولا يعد ذلك القرار غريبا على وزارة أوقاف نظام الأسد التي تصدر أوامرها أو قراراتها بتوجيه من الفروع الأمنية بشكل مباشر، كما أن خطبها تمر على معظم الفروع الأمنية قبل قرائتها من قبل “مشايخ السلطان” على الأهالي في المساجد.
وكانت حكومة نظام الأسد قد بدأت مؤخرا من خلال وزارات الأوقاف والتربية والتعليم والثقافة بعملية غسل لعقول الأهالي تحت ممارسة العديد من الضغوط في مخيمات الإيواء حول دمشق وفي المناطق التي خضعت مؤخرا لسيطرة النظام.
وتأتي تلك الخطوات بالتزامن مع إتمام عمليات التهجير التي قام بها نظام الأسد برعاية روسية إيرانية في محيط دمشق، ضمن مخطط التغيير الديموغرافي الذي تم دعمه بإصدار مراسيم تمكن النظام من سرقة ممتلكات المهجرين.
ونجح أخيرا نظام الأسد في “تطهير” محيط دمشق من المعارضة التي ينتمي معظمها إلى الطائفة “السنية”، وذلك في عملية تغيير لديموغرافيّة العاصمة وفق رأي الكثير من المعارضين والمراقبين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث