صدى الشام _ عدنان علي/
وفق المخطّط الذي رسمَته منذ البداية، حقّقت قوات النظام معظم أهدافها في الغوطة الشرقيّة مع إتمام شهر واحد على بدء عملياتها العسكرية هناك، واستولت خلال هذا الشهر على نحو 70 بالمئة من المناطق التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة في الغوطة، وهي نسبة يمكن ان ترتفع مع وصول هذا العدد إلى أيدي القراء، حيث تستولي قوات النظام يوميّاً على مناطق جديدة، بينما تستمرّ حركة نزوح المدنيّين من الغوطة باتجاه مناطق النظام، وفق ما خطّط له النظام أيضاً، وذلك في إطار سياسة التغيير الديمغرافي التي يتبعها حيال الغوطة، وحيال المناطق الأخرى في محيط دمشق.
ووفق آخر المعطيات أعلنت قوّات النظام سيطرتها على مدينة سقبا وسط الغوطة الشرقيّة، عقب مواجهات دارت مع مقاتلي المعارضة، وذلك بعد تقدّمها من محوري حمورية ومزارع سقبا- جسرين. وبحسب وسائل إعلام موالية فإن قوات النظام دخلت سقبا بعد فرضها على الفصائل تسليم المدينة والحفاظ على وجود الأهالي فيها، مشيرةً الى مصير مماثل ينتظر مدينة كفربطنا المجاورة، حيث قالت وسائل إعلام النظام إنّ “قوات الجيش تمكنت بالفعل من السيطرة على أجزاء من كفربطنا”، فيما أمهلت قوات النظام مدينة حرستا المحاصرة من كل الجهات، فترة قصيرة لخروج المدنيّين باتجاه معبر الموارد المائيّة.
وفي شمالي الغوطة، حيث يسيطر “جيش الاسلام”، قالت وسائل إعلام تابعة للنظام إن قوّات الأخير سيطرت على منطقة تل كردي الاستراتيجيّة ومدرسة الفارابي شمالي بلدة الريحان. ويقول جيش النظام إنّه سيطر حتى الآن على نحو 70% من القرى والبلدات والمزارع التي كانت تحت سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقيّة.
من جهته، أعلن “جيش الإسلام” احباطه عدّة محاولات اقتحام قامت بها قوات النظام في شمالي الغوطة تمكّن خلالها من عطب أربع دبابات، وقتل نحو خمسة وعشرين عنصراً من قوّات النظام على جبهة الريحان مؤكداً ثبات مقاتليه في نقاطهم وجبهاتهم.
كما أعلنت “هيئة تحرير الشام” عبر وكالتها “إباء” استهدافها موقعاً لقوّات النظام في بلدة جسرين بسيّارة مفخخة أوقعت خسائراً في صفوفه بالتزامن مع عملية انغماسيّة على مواقع النظام في بلدة حمورية أسفرت عن وقوع أكثر من خمسين قتيلًا وعشرات الجرحى في صفوف النظام.
تهجير
وعلى صعيد مغادرة المدنيّين للغوطة باتجاه مناطق سيطرة النظام، فقد نزحَ بحسب مركز المصالحة الروسي في سوريا أكثر من 68 ألف مدني من الغوطة الشرقية حتى الآن عبر الممرّات الإنسانية بينهم 20 ألف خرجوا عبر معبر حمورية منذ تاريخ 28 شباط الماضي .
وفتحت قوات النظام عدّة معابر لخروج المدنيّين مثل معبر مخيم الوافدين شمالي الغوطة، ومعبر الموارد المائية في حرستا بالقرب من طريق دمشق- حمص الدولي، لكن المعبر الأهمّ الذي شهد أكبر نسبة خروج للمدنيّين هو معبر حمورية وسط الغوطة، والذي افتتحته قوات النظام مع وصولها إلى مدخل حمورية الشرقية، ويقع المعبر بالقرب من معمل “الأحلام” للصناعات الغذائيّة شرقي حمورية الواقعة في وسط الغوطة.
ويُنقل معظم المهجّرين من الغوطة إلى مركز الإيواء في “الدوير” بالقرب من عدرا بريف دمشق، والذي ضاق بقاطنيه حيث أنه يستوعب ستة آلاف شخص فقط، وهو ما دفع النظام لوضع المدنيّين في مدارس في عدرا البلد وعدرا المدينة التي تبعد عن العاصمة دمشق مسافة 25 كيلومتراً، فيما بقي مئات المدنيّين عالقين بالقرب من الباصات التي نقلتهم من المنطقة، ريثما يتمّ ترتيب أوضاعهم. كما نُقلت أعداد أخرى من المهجّرين إلى مخيمات حرجلة بالقرب من بلدة الكسوة في ريف دمشق الغربي.
وحول أوضاع المهجّرين إلى مناطق النظام، يقول الناشط قيس الحسن، إن النظام يسعى إلى إحداث تغيير ديمغرافي في الغوطة عن طريق تهجير سكانها عبر القصف الجنوني والترهيب بغية استقدام مجموعات سكانيّة أخرى مكانهم. وأوضح أنه من خلال التواصل مع بعض من خرجوا من الغوطة، فقد تبيّن أنّ سلطات النظام تعمد إلى فصل الرجال والنساء والأطفال عن بعضهم البعض دون أن تعرف كل مجموعة شيئاً عن المجموعة الأخرى، واصفاً عمليّة الخروج من الغوطة بأنها “عملية انتحارية ينتظر أصحابها مصير مجهول”.
إلى أين؟
ورأى الحسن أنّ “من يعتقد أن النظام سوف يستقبله بالورود كما تصوّر وسائل إعلامه فهو واهم، لأن بشار الأسد وزبانيته لن ينسوا ما فعله الثوار بهم خلال السنوات الماضية”.
وروى الناشط في هذا السياق قصة “أبو سامر” وهو من الأشخاص الذين “ظنوا أنهم بخروجهم من حمورية سيجدون الحضن الدافئ عند عدوهم، ولكنّ أبو سامر كان شاهداً حياً على إجرام النظام وما يفعله بالنساء والأطفال والرجال الخارجين من غوطتهم”.
وأضاف” استطاع أبو سامر أن يسرّب لنا معلومات عن خروجه، فقال: “بعد أن خرجنا من حمورية تم تصويرنا وإظهارنا على تلفزيون النظام على اعتبار أنّ الجيش السوري قد خلّصنا من ظلم العصابات الإرهابيّة، ثم اقتادونا إلى عدرا البلد مكبّلين، وتم فصل النساء عن الرجال، حيث لم نعد نعرف شيئاً عنهم وعن أطفالنا، لكن نعلم عن عمليات اغتصاب للنساء وقعت ولا تسألوني كيف علمت؟ فما زالت أصواتهم تحرق قلبي وتقطع فؤادي”.
وتشير المعطيات إلى أن أغلب النازحين من الغوطة تم نقلهم مبدئيّاً الى مركز إيواء الدوير قرب عدرا، بينما نُقلت أعداد أقل الى مركز إيواء حرجلة قرب الكسوة جنوبي دمشق، وعدد آخر إلى مراكز أخرى.
وفي مركز الدوير الذي أقيم عام 2013، وكان قبل ذلك عبارة عن معسكر للطلائع يضمّ صالات رياضية، تقول وسائل إعلام النظام إنه تمّ تخصيص “غرفة” لكل عائلة في ملعب رياضي مغلق، وتفصل بين الغرف ألواح خشبيّة.
ورغم الدعاية التي يحيط بها النظام تلك المراكز بأنها “الحضن الدافئ” للهاربين من بطش المسلحين، وأن “الدولة” لجميع أبنائها، إلا أن مراكز الإيواء، فضلاً عن الاكتظاظ الكبير فيها، وتدنّي مستوى الخدمات، تحوّل بعضها خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه مراكز الاعتقال الجماعي، خاصة مركزا “الدوير” والحرجلة”، وهما الأكبر، حيث تُفرض الكثير من القيود على تحرّكات المقيمين فيها، ولا يسمح لهم بمغادرة تلك المراكز إلّا بموافقات أمنيّة، في حين يعاني الشبّان بينهم من تدقيق إضافي لتعقّب “المطلوبين” أو سحبهم إلى الخدمة العسكرية، حيث النظرة العامة للقاطنين في تلك المراكز بأنهم “البيئة الحاضنة” للمسلّحين الذين يقاتلون النظام، وأن قلوبهم مع المسلّحين، وقد يكون بينهم متعاملون معهم، وبالتالي فهم دائماً تحت الرقابة والتدقيق، ويتعرضون للاستجواب والتفتيش، وأحياناً الملاحقة والاعتقال والتعذيب.
كما عمد النظام في الوقت نفسه إلى منع المنظمات الدوليّة من دخول هذه المراكز، ليبقيها بعيدة عن أعين أية جهات رقابيّة دوليّة.
معارك في القلمون
إلى ذلك، حاولت فصائل “الجيش الحر” في المناطق الأخرى القيام ببعض التحرّكات نصرةً للغوطة حيث تكبّدت قوات النظام بعض الخسائر في الآليات والأرواح خلال تقدّم قوات المعارضة في منطقة القلمون الشرقي بريف دمشق، وذلك بعد معركة أطلقها “جيش تحرير الشام” ضد قوات النظام في القلمون الشرقي، أطلق عليها اسم “الشهيدة سعاد الكياري”، وتمكّن خلالها من السيطرة على عدّة نقاط بالقرب من منطقة المحسا، إضافة لقتل وجرح عدد من العناصر التابعين لقوات النظام في المنطقة.
كما أعلن ” جيش تحرير الشام” إسقاط طائرة حربية للنظام بالقرب من المعمل الصيني بمنطقة القلمون الشرقي، بعد استهدافها بالمضادات الأرضيّة.
وتُعدّ منطقة القلمون الشرقي ذات أهميّة استراتيجيّة، نظراً لقربها من العاصمة دمشق والغوطة الشرقية إضافة إلى كونها ترصد اوتستراد دمشق- بغداد الدولي والذي يعتبر صلة الوصل بين محافظات ريف دمشق، وحمص، والسويداء.
وتزامناً مع المعارك في القلمون، قالت مصادر عسكريّة إنّ منطقة الـ “55 كيلومتر” في البادية، والتي تنتشر فيها فصائل “الجيش الحر” ويدعمها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيّة، تشهد تحرّكات عسكريّة أيضاً، متوقّعةً تحرّك الفصائل المدعومة أمريكيّاً لبدء عمل عسكري واسع بهدف السيطرة على مساحات تصل إلى حدود محافظة دير الزور.
كما تردّدت معلومات عن نيّة فصائل المعارضة في الجنوب السوري فتح معارك لتخفيف الضغط على الغوطة، لكن تلك المعطيات ظلت بلا رصيد على الأرض، حيث رجّح مراقبون أن ضغوطاً خارجية، خاصة من جانب غرفة “الموك” في الأردن، حالت دون فتح هذه المعركة حتى الآن.
سقوط عفرين
وفي شمالي البلاد، تسارعت وتيرة عملية “غصن الزيتون” لانتزاع منطقة عفرين من يد الميليشيات الكردية، حيث تمكنت فصائل “الجيش السوري الحر” التي تدعمها تركيا من السيطرة على مركز مدينة عفرين، وباتت بقايا الميليشيات محاصرة في جيوب معزولة داخل منطقة عفرين، أو انسحبت باتجاه الريف الشرقي.
وشهدت الخريطة العسكرية لمنطقة عفرين تغيّرات جذرية فرضها التقدّم السريع الذي حقّقته الفصائل في الأيّام الماضية، بتقطيع المنطقة إلى ثلاثة جيوب ومحاصرة مركز المنطقة الذي دخلته في عملية استمرّت ساعات فقط، فجر الأحد. ووجّهت الفصائل عمليّاتها بعد السيطرة على المركز، إلى ناحية المعبطلي، وهي الناحية الأخيرة في المنطقة من أصل سبع مناطق.
وبالسيطرة على مركز عفرين يُتوقّع أن تفتح القوات التركيّة طريقاً من ريف حلب الشمالي إلى محافظة إدلب، التي ثبّتت فيها عدّة نقاط مراقبة بالتفاهم مع روسيا وإيران.
وقد خلط تسلّم النظام السوري لقرى في جيب تل رفعت شمالي حلب أوراق المنطقة، بين إمكانية بقائها بيد قوات النظام أو تحرّك فصائل المعارضة نحوها.
وكانت قوات النظام تقدّمت إلى نحو ثماني مناطق في الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من عفرين في إطار تفاهم روسي- تركي، وعلى رأسها تل رفعت ومنغ. وتوقعت مصادر أن يتحرّك ملف تل رفعت في الفترة المقبلة.
الثورة اليتيمة
وتزامنت هذه التطوّرات مع مرور الذكرى السابعة لاندلاع الثورة السوريّة ضد نظام بشار الأسد والتي حصدت حتى الآن مئات آلاف القتلى. وبينما تنكفىء الثورة رويداً رويداً وترتفع أسهم النظام بسبب الدعم الحاسم الذي يتلقاه من حلفائه، يتخلى “حلفاء الثورة” المفترضون عنها، ويتركونها وحيدة تواجه مصيرها.
وبعد سبع سنوات، بات من الواضح أن القوى الإقليميّة والدوليّة المختلفة لم تتعامل مع الثورة السوريّة بوصفها تحرّكاً شعبيّاً يسعى للانعتاق من نير الاستبداد والتّوق للحريّة والديمقراطيّة، بل “فرصة” لتحقيق مكاسب خاصّة بكل منها، غير مهتمّة بالثمن الذي يدفعه الشعب السوري بالنسبة لبعضها، ومتعمّدة مضاعفة الثمن وتحطيم البلاد إلى أجيال مقبلة بالنسبة لبعضها الآخر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث