صحيفة الحياة/
حين تضيق غاليريات الفن التشكيلي يحوّل بعض الفنانين مراسمهم إلى غاليريات للعرض. هكذا استضيف أخيراً بعض أعمال الفنان التشكيلي السوري منيف عجاج، المقيم في منطقة الدوردون (جنوب غربي فرنسا)، في مرسم الفنانة الفرنسية ناتاشا بوفييه، لإطلاع جزء من الجمهور على تجربته، هي التي تعتقد أن لوحاتها تتقاطع على نحو ما مع أعمال الفنان السوري.
الفنان قال إن التقاطعات «ربما من خلال تصوير الوجوه المعذبة الحزينة، الأشخاص التعبيريين، وكذلك من ناحية الخط أحياناً».
لا يغيب الهمّ السياسي عن لوحات عجاج (مواليد دير الزور 1968)، فكل أعماله المعروضة هنا تمثل الحدث السوري، الثورة، العنف، المجزرة، فظاعات النظام والعسكر. ولكن في الوقت ذاته لا يهمل تصوير المتطرفين، وهو يشير في بعض أعماله إلى حوادث بعينها.
بدأ الفنان السوري تجربته بالتصوير متأخراً بعض الشيء، فبعد تخرجه من «أكاديمية الفنون البيلاروسية» وجد نفسه يقدم محاكاة ساخرة لأحداث سياسية، من بينها مقتل ولدَي صدام حسين. واهتم الفنان بالحدث العراقي المجاور لمدينته، رسم بتأثير من حادث سجن أبو غريب، كما رسم متهكماً من مشهدية إعدام صدام حسين، كما يقول الفنان لـ «الحياة».
بعد العراق راح الفنان يرسم الخوف في حياة السوريين. يقول: «كنت على تماس مباشر مع الخوف حين سكنتُ حيّ المهاجرين (قريباً من الحي الذي يسكنه بشار الأسد). تمشي فترى الحراس ذوي الأطقم السوداء، لا تستطيع أن ترفع عينيك. وفي وقت كان هذا المكان يعتبر الأكثر أماناً، كان بالنسبة إلي المكان الأكثر رعباً».
يصف الفنان ذلك الحي الذي سكنه لخمس سنوات، وألهمه جزءاً كبيراً من أعماله تلك «العيون التي تراقبك بكل تفاصيلك والأيدي جاهزة لالتقاطك. الأشجار التي أُسند إليها دور في مشهد الرعب. بيوت جميلة اغتصبها العسكر فشُوّهت وشوّهت ما حولها. إضافة إلى السيارات بشكلها ولونها وهيئتها الخاصة التي تثير الخوف والرعب أيضاً. رأت عيناي وامتلأت ذاكرتي بصور كثيرة من صور البشر الذين يحملون الخوف، وصور اللامبالاة المصطنعة. صور الجسد بلغته المنضبطة التي تخشى حركة عفوية ما أو إشارة تقوده إلى المجهول».
يقول الفنان إن تلك التجربة ملأت «قماش اللوحات بالضحايا والمعنّفين، بالناس المهدورة والمداسة كرامتهم، والمقصوصة شواربهم إمعاناً بالإهانة والإذلال، كذلك المسحوقين والمستضعفين من أناس آخرين وضحايا آخرين وضعتهم وجهاً لوجه مع المعتدين من أبناء السلطة والعسكر».
لكنه لا يقف عند هذا الحد، فهو إلى جانب ذلك رسمَ رجال الدين الذين رآهم ينافقون السلطة «عن دراية وفهم. ليسوا بسطاء أو مغيبين كرجال الدين في الريف».
في العام 2009 سيعرض الفنان لوحاته في عمّان، مطلقاً على معرضه اسم «لحظات ما قبل الفجيعة»، باقتراح من الفنان والناقد التشكيلي غازي عانا. لكن أعماله تلك عن الخوف والإهانة والتعذيب التي استقبلت في عمان في معرضين متتاليين لم تحظ بفرصة العرض في دمشق. «أرسلتُ لعدد من الغاليريات، لكن أياً منها لم يجب»، يقول الفنان، ويوضح: «هناك بالطبع صالات عرض لم أكن أقبل بالعرض عندها، بسبب مستوى الأعمال التي تُعرض فيها عادة. أردت مثلاً أن أعرض في «غاليري أتاسي» لاعتقادي بأنها واحدة من الصالات التقدمية».
حين يسقط في يد الفنان سيعرض في مرسمه الدمشقي (العام 2010) من دون إعلان لائق ولا دعوات. ويبدو أن ذلك المعرض بالذات كان بطاقة العبور إلى العديد من المهتمين بالفن السوري. لكن ما هي إلا بضعة شهور وتكون الثورة قد اندلعت في البلاد، وفي ضوئها سيقيم الفنان معرضاً في دبي حمل اسم «مندسون»، تلك الكلمة التي لطالما وُصف بها المتظاهرون والناشطون السوريون من جانب النظام، فصارت متداولة بينهم للسخرية والتندّر.
هكذا حسم الفنان انتماءه. لكن ما الذي تغيّر في لوحاته بعد الثورة؟ يجيب: «إذا كنتَ في السابق تلف وتدور وتموّه فقد أصبحتَ الآن تسمي الأشياء بأسمائها. سابقاً كنت ترسم الإهانة بحد ذاتها، لا الشخص المهان، لا تشير إلى حدث محدد، أما بعد الثورة فلم تعد ترسم الديكتاتورية، بل ترسم بشار الأســـد. ترســــم الدبابة، السيارة العسكرية، أداة التعذيب نفسها. صرت تشير بإصبعك. في ما مضى لم نكن نجرؤ على رسم جندي، أو سيارة عسكرية».
عند سؤاله هل يُضعف اللوحةَ ارتباطُها بحدث بعينه، يجيب عجاج: «رسمي نوع من شهادة على مرحلة. قد تكون الأحداث أكبر منا ولن تستطيع اللوحة أن تؤثر فيها، لكنها تبقى أرشيفاً وتاريخاً. أنت اليوم تقرأ تاريخ الفراعنة عبر أعمالهم الفنية».
وعما إن كان التزام الفنان بالحدث السياسي يؤثر في بيع اللوحة، يقول: «هناك جهات يهمها أن تشتري اللوحة لهذا السبب بالذات، كالمتحف البريطاني، الذي اقتنى لي كما اقتنى للعديد من الفنانين مشترطاً أعمالاً توثق المرحلة. أما عن البيع، فنحن الفنانين العرب سوقُنا هو الشرق الأوسط، ومع الأسف ستجد أن من هم ضد التغيير سيحرصون كذلك على عدم تشجيع ما له علاقة بالتغيير، ومن بينها اقتناء أعمال فنية من هذا النوع. لا يتوقف الأمر على البيع، فالرقابة غالباً لا تسمح حتى بعرض أعمال تمثل التغيير».
وهنا يشير الفنان إلى منع إحدى الرقابات العربية لإحدى لوحاته التي تصوّر الزعماء العرب الذين سقطوا (زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح) عشية أحد المعارض، الأمر الذي يعتبره الفنان تماشياً مع الثورة المضادة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث