الرئيسية / Uncategorized / أمّي (2 من 2)

أمّي (2 من 2)

صدى الشام /

كنت أستشعر خطر الحَمّام فور رؤيتي لأمي وهي تنصب طنجرة الماء النحاسية ذات الزنار الذهبي على الموقد الحجري، وتبدأ تلقيمها أعواد التين اليابس وقرم الزيتون، وأسرع بالتواري عن الأنظار إلى زواريب الحارة، وتبدأ رحلة المطاردة وتستعين أمي بمن هم أكبر مني سنّاً من أطفال الحارة ليصطادونني ويقتادونني من يدي وعندما أرفض المسير و أترس رجلي بالأرض يتجمعون حولي ويحملونني ويسلمونني إليها فأستسلم لقدري وتبدأ سيل الشتائم والبحث عن جدارة أهلي لتنبشها، وتجرني بيد و بالأخرى تنهال على ظهري بصفعات متتالية وسريعة، وكنت أشعر أن الهدف من تلك الصفعات الخفيفة نفض الغبار عن قميصي ليس أكثر! كانت أمي تجلسني على خشبة مربعة صغيرة في عتبة البيت رغماً عني بعد معاناة طويلة في خلع ملابسي التي اتشبث بها بيديّ و برجليّ حتى أنني كنت أحاول مسكها بأسناني.

كانت تصبّ قطرات من الماء على يدها لمعرفة سخونته، وبعدها تسكب فوق رأسي بضع طاسات من الطنجرة، وما زلت أذكر أن أمي كانت لا تسرف في الماء لأنها كانت تنقله على رأسها من الهوة التي تبعد عن القرية بضع كيلومترات، وبعد ذلك تدثرني بأحد الثياب القديمة الذي تستخدمه كمنشفة! وتنهي أمي “الحفلة” بسحبي إلى الزاوية حيث جمر الحطب يتلألأ، وتُجلسني وهي تقول: “الله يكون بعونها ….! ولم أكن أعرف من تقصد أمي يهذه الدعوة.

في ليالي الشتاء الباردة كانت أمي -رحمها الله- على موعد مع صياح الديك كما كانت تسميه لتنهض من فراشها وتلقم موقد النار وتتوجه مباشرة إلى باب القبو وتبدأ بنزع الخرقات و”الهراديس” القديمة من ثقوب الباب و التي تضعها في المساء لتحمي الحيوانات داخل القبو من تيارات الهواء الباردة، وتبدأ عملية التنظيف وترحيل المخلفات إلى زاوية الدار لتعود و ترشّ التبن الناعم تحت الدواب، وتضع في المعالف وجبة الإفطار.

دخول أمي إلى القبو يرافقه احتفال من كل من يعيش فيه، فالبقرة وابنتها ترسلان ههمهات الفرح، وتضربان حوافرهما بالأرض. حتى ثغاء الغنمات و الخراف يرتفع مرحّباً بقدوم الزائرة، وصغار الماعز كذلك تشترك أيضاً وتتقافز أمامها فرحةً ومستبشرة.

ما إن تنهي أمي جولتها بالقبو حتى تنتقل إلى قنّ الدجاجات وتفتح الباب الصغير الذي أغلقته بإحكام خوفاً عليهم من البرد، وتنثر لهن الحنطة و تطمئن على أن الجميع خرج من القن وباشر الطعام لتعود إلى البيت و تحمل الماء الساخن من على الموقد وتضيفه إلى وعاء الماء البارد و تتلمسه بيدها حتى تتأكد أنه أصبح فاتراً وتذهب به إلى القبو وتسكب جزءاً منه في وعاء مخصص للدجاج أيضاً، وعندما أسألها عن ذلك كانت تقول : “خطيّ يا ابني. نحنا روح وهود الحيوانات روح”، في ذلك الوقت نسمع طرقات مئذنة الجامع معلنةً ميلاد فجر جديد.

مرضت أمي وخارت قواها وهي التي اقتربت من التسعين، وراحت تعيد السؤال ذاته عدداً من المرات لتسأل من يسلّم عليها عن اسمه وعن أهله، و راحت تعيد الأحداث السابقة والتي مضى عليها أكثر من نصف قرن من الزمان.

أجلس إلى جانبها وتنظر إليّ طويلاً وتسألني عن اسمي وعندما أخبرها تهز رأسها و كأنها تذكرت شيئاً وتقول: “أي .. و نحنا كان عنا واحد اسمو فيصل”.

يا إلهي! لم يخطر لي أن تنسى أمي أسمي وهي التي كانت في الفترة الأخيرة تلحق بي بعد مغادرتي البيت فوراً و تسال كل من تلتقي به في الطريق عني، وعندما تشاهدني تبدأ بموشحة “البهدلة” وتقول أنه جاء من يخبرها أن الجيش قد اعتقلني وقد يكون قتلني، وتنهي تهديدها بطلبها مني ألا أغادر المنزل. ومع كل هذا فقد نسيتني أمي ذلك اليوم ولكنها عادت تسألني عن أخي الأخرس العاجز ومتى يعود من النزوح وعن أختي الخرساء العاجزة أيضاً وإن كانت قد شفيت من مرضها الأخير.

عادت بي الذاكرة إلى يوم وداعها لأخي الأخرس عندما نزح مع أبنائه خوفاً من القصف، وكيف حاولت أمي وداعه رغم عجزها عن احتضانه وتقبيله وهي التي احدودب ظهرها وأُرغمت على الاكتفاء بشم رائحة يديه وتقبيلهما.

كل هذه السنين التي تحملها أمي على كاهلها والتي أخذت منها صحتها وذاكرتها حتى نسيت كل من حولها، لكن تلك السنين الطويلة لم تستطع أن تسلب من أمي حبها لأبنائها.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *