صحيفة الحياة/
لعلّ البرامج التلفزيونية التي تقدم عالم السينما هي الأصعب على صعيد إيجاد البناء والمقاربة المناسبين من كل البرامج التي تتعاطى مع الفنون الأخرى. لذلك لا غرابة أن تتراوح معظم البرامج السينمائية الغربية بين النخبوية والنمطية الضحلة، من دون أن تتحول أبداً إلى جزء من الثقافة التلفزيونية الرائجة، على رغم شعبية الفن الذي تناقشه. هذا إضافة إلى تكلفة هذه البرامج الكبيرة والمتأتية من المبالغ الباهظة التي يجب أن تدفعها من أجل حقوق استخدام المقاطع السينمائية، ما جعل حضورها يتضاءل في السنوات الأخيرة، حتى على القنوات التلفزيونية الأوروبية الحكومية، التي شكلت تاريخياً المنصة الأساسية والبديهية لهذا النوع من البرامج.
لهذه الأسباب يكون انطلاق برنامج سينمائي مثل «دليل فايس للأفلام» (تقدمه قناة «فايس» الكندية الجديدة) حدثاً مهماً على صعيد إعادة هزّ هذا النوع من البرامج بحثاً عن تركيبات جديدة تعيد الاعتبار للسينما كفنّ جماهيري. يبتعد البرنامج الجديد عن التركيبات الشائعة، ويحتفي في كل حلقة منه بإنجاز مخرج سينمائي جدليّ، عبر استعراض أفلامه السابقة، مع رؤية نقدية تقدم كتعليق صوتي في البرنامج، ولقاءات مع ممثلات وممثلين ومخرجين ونقاد، والذين يستعيدون تجارب هؤلاء المخرجين، غالباً من موقع المعجب.
وكما يشي عنوان البرنامج، تمرّ كل حلقة على الفيلموغرافيا الخاصة بالمخرج الذي تتناوله، متنقلة برشاقة واختزال لافتين على أبرز المحطات السينمائية له، في وقت تفتح الحوارات التي أجراها البرنامج مع ضيوفه، نوافذ جديدة على تجارب المخرجين، بخاصة أن بعضهم عمل تحت إدارتهم، ويعرف عن قرب أسلوب هؤلاء المخرجين، وراقب تطورهم عبر السنوات، وأهم الثيمات التي عالجتها أفلامهم.
ينحاز البرنامج في موسمه الأول إلى السينما الأميركية المعاصرة وإلى أسماء بعينها، مع حضور محدود جداً للسينما الأوروبية مثلاً أو السينما الآسيوية، وخلت قائمته الأولى (إلا من مخرج واحد أو اثنين) من أسماء مغايرة لما يمكن أن يفكر به متفرج السينما الشغوف حينما يطلب منه تعداد أهم الأسماء الإخراجية في العقود الثلاثة الأخيرة. من الذين مروا في الموسم الأول: ريدلي سكوت، آنغ لي، جين كامبيون، داني بويل، ديفيد لينج، لارس فان ترير، سبايك لي وآخرون.
يتميز التعليق الصوتي في البرنامج بفهمه الواسع والعميق للعوالم السينمائية للمخرجين الذين يقدمهم. فالبرنامج- وعلى رغم قصر حلقاته (نصف ساعة)- يجد الوقت لكي يحلل مشاهد أيقونة بعينها، ويربط بين سرديات ومشهديات عبر الرحلة السينمائية للمخرجين، ليبيّن أحياناً الهموم السينمائية العنيدة الخاصة لهم، والتي قاومت شروط الشركات الإنتاجية العملاقة التي عملوا معها، وبعد بدايتهم التي كانت غالباً في أفلام الموازنات الصغيرة.
من حلقات البرنامج المميزة، تلك التي قدمت المسيرة القصيرة والمهمة للمخرجة الأميركية ذات الأسلوب الخاص جداً، كيلي ريتشارد، والتي ظهرت هي نفسها في البرنامج لتتحدث عن تجربتها الصعبة في الحصول على دعم مالي لأفلامها العنيدة، التي ترافق شخصيات مهمشة وهي تقطع رحلات على الطريق. تقترب شخصيات أفلام المخرجة من انعطافات مصيرية يشوب بعضها العنف. أكملت شهادات بعض الذين عملوا مع ريتشارد بورتريهاً معمقاً لهذه المخرجة غير المشغولة بالشهرة، على رغم أن مشاريعها السينمائية تجذب منذ سنوات نجوماً معروفين يتمنون العمل معها.
ومع أن البرنامج لم يغامر كثيراً باختيارات خارج المتوقع، فهو ينجح في المقابل في تحقيق توازن ممتاز بين الاستعادة النقدية العميقة والإطار التلفزيوني الذي يقدم عبره، والذي كان غالباً عقبة في وجه قنوات تلفزيونية عدة في الماضي عندما حاولت تقديم برامج سينمائية متخصصة. يقود البرنامج المشاهد عبر سير سينمائية مثيرة، ويدفع إلى قراءات جديدة لهم. كما ينجح البرنامج في الحصول على مقابلات حصرية مع مجموعة ممتازة من نجوم هوليوود المعروفين (منهم جورج كلوني وجوليان مور وغيرهم)، والذين أصبح جمعهم في برنامج تلفزيوني واحد مهمة ليست سهلة على الإطلاق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث