الرئيسية / رأي / النظام دمّر سوريا.. والمعارضة تدمّر ذاتها

النظام دمّر سوريا.. والمعارضة تدمّر ذاتها

صدى الشام _ د. مضر الدبس/

واجهت المعارضة السورية نظامًا عصبوي البنية، لا قيمة تذكر للجانب الأخلاقي أو الإنساني في تحديد وسائله وغاياته، ولا يخفى على أي إنسان يجيد استخدام نعمة العقل أن هذا النظام قد دمر سوريا، وشرد السوريين، وهذا ما يحتم على من يوجه النقد للمعارضة أن يكون حذرًا في نقده، هو الحذر الذي تمليه المحمولات الأخلاقية لكلمة (معارضة) في سوريا التي أراد لها النظام أن تكون “سورية الأسد” إلى الأبد، وبتقديرنا ليس من الصواب الفصل في الحال السورية اليوم بين هذه القيمة الأخلاقية والقيمة العلمية والفكرية والسياسية، ففي هذه اللحظات من التاريخ يجب أن يبقى سؤال الأخلاق مترادفًا مع أسئلة العقل والمنطق والفكر الإنساني، نظراً لما تملكه هذه اللحظات من أهمية تاريخية في إعادة صوغ المفاهيم الأخلاقية، وردّ القيمة لأهميتها، بعد أن شهدت البلاد -والإنسانية جمعاء- نتائج نقصها، ولكن هذا الحذر الضروري في النقد لا يلغي النقد أو يقلل من أهميته؛ بل إن الحذرَ يعقلن النقد، فهو يٌبقي غايته الأساس نصب العينين طوال الوقت؛ ومضمونها التطوير والبناء لا الشماتة أو التعالي أو الهدم.

لم تمتلك المعارضة السورية التقليدية ما يمكن تسميته قاعدة شعبية حقيقية قبل آذار 2011، أو لم تتمكن من جذب وتكوين قاعدة شعبية بالمعنى السياسي؛ رغم أن الأكثرية في المجتمع السوري كانت تتعاطف معها، يعود ذلك بتقديرنا لأسباب عديدة أهمها اثنان: الأول فرط تسلطية نظام الأسد، وارتفاع منسوب القمع والعنف في تعاطيه مع معارضيه؛ حيث يعرف السوريون جميعهم أن الأجهزة الأمنية المتنوعة متغلغلة بينهم، وشغلها الشاغل هو كشف وعقاب أي شخص لا يبدي تأييدًا مطلقًا للقائد المفدى والحزب الأوحد؛ والثاني هو أن المعارضة التقليدية كانت مصابة بمرض المناعة الذاتية، أو “الانضدادية” (Autoimmune disease)، تعني الانضدادية أو المناعة الذاتية- وقد استعرناها من لغة الطب- أن الجهاز المناعي المصمم لمهاجمة الأجسام الغريبة من أجل حماية الجسم يبدأ بمهاجمة خلايا الجسم نفسها وقتلها، تركت هذه الانضدادية تجليات ونتائج كارثية على المعارضة، وبالتالي على سوريا والسوريين، ويمكن تلخيص أهم هذه التجليات بالعلتين التاليتين: تدمير المعارضة لذاتها، وفرط الموضوعية.

 

تدمير المعارضة لذاتها

من جملة ما أدت إليه هذه المناعة الذاتية استحالة تكوين حالة تنظيمية متماسكة بالمعنى السياسي، حيث كانت النزعات الذاتية المدمرة والتحالفات الآنية الضيقة عنوانًا للحياة التنظيمية، وتم التعامل مع القانون أو اللوائح التنظيمية الداخلية بشكلٍ جامد بعيد عن الهدف السياسي، ناهيك عن حضور المناعة الذاتية الدائم في إعداد الأنظمة الداخلية وصياغتها.

تعجّ الحياة السياسية للمعارضة بأمثلة توضح هذه الظواهر، ونجد أن هذا التدمير الذاتي لم يقتصر على السياسي، بل انتقل المرض نفسه إلى العسكري، وما حدث من اقتتال بين الفصائل ليس إلا مثالًا صارخًا لهذا التدمير الذاتي، ثم تسببت الانضدادية في هذه العلاقة المرتبكة بين السياسي والعسكري، وتؤدي الانضدادية إلى “التمترس الأيديولوجي” تمهيدًا لشن الحرب على الآخر المختلف، حتى لو كان ينتمي إلى الجسد ذاته، وهو ما يعني تدمير الذات.

المعارضة يجب أن تعمل كالمناعة التي تحمي جسد الوطن من احتمالية انقلاب السلطة إلى تسلطية، وعندما تمرض بالانضدادية تدمر ذاتها بالآلية نفسها التي من المفروض أنها تمتلكها لتدمير الجسم التسلطي الغريب.

 

فرط الموضوعية 

تعمل الموضوعية كجهاز مناعي مقاوم للوهم وللتمترس الأيديولوجي والعصبوي الهدام، ولكن كما تتجلى المناعة الذاتية، في إحدى أشكالها، بمرض فرط الحساسية في حقل الطب (أي مرض حساسية الجسم المفرطة إزاء مادة معينة)، نعتقد أنها تتجلى أيضًا بمرض فرط الموضوعية في حقل السياسة.

نعرّف “فرط الموضوعية” كما يلي: هو المغالاة في التفكير الموضوعي، وصولًا لتوثين الموضوعية وتقديسها، واعتبارها مفهوماً مطلقاً معادٍ لأثر الذات الفردية/الجماعية المشتغلة على الموضوع فهمًا وتحليلًا وتوصيفًا واستنتاجًا. فالموضوعية التي لا تؤمن بإمكانية تواجد الذاتي في ماهيتها وطيبعتها، ليست إلا فرط موضوعية ناتج عن مناعة ذاتية، ضرورة الموضوعية في السياسة كضرورة الجهاز المناعي لحياة الإنسان، ويكون فرط الموضوعية قاتل كمرض المناعة الذاتية، وفي الحقيقة فإن المفهومات التي نعتبرها ناجزة جميعها ليست كذلك، ومن دون استثناء، بل إن المفهومات هي فهم الذات الفاهمة لها في لحظة معينة. وفي الحقيقة لا يوجد مفهوم بل يوجد ذات تفهمه وتصفه وتحلله وتسخره وتجعله حيًا… في السياسة لا تكون الحقيقة معطى من الطبيعة، بل هي تكوين وتشكيل وإبداع ونتاج تذاوت، وهي تفاعل بين الواقع والتاريخ والبشر أو عقول البشر. هذا ما يجعل ميدان العلوم الإنسانية أكثر نسبية من ميدان العلوم الطبيعية. وهذا ما يجعل التجريد منهجية أقل نجاعة في التعامل مع الواقع المعقد الذي لا يكون صورة عن مفهوم ذهني مجرد، بل في الغالب يكون مزيجًا أكثر تعقيدًا، في هذه النقطة بالذات (أي استخدام التجريد كوسيلة لفهم المحيط والظواهر المحيطة وتكوين المعرفة) يكمن الفرق بين العمل في الفكر السياسي وبين العمل السياسي. وهذا يفسر سقوط أكاديميين وباحثين ومفكرين في امتحان العمل السياسي على الرغم من نجاحهم الباهر في ميدان الفكر والتأسيس النظري، فالإصابة بفرط الموضوعية في السياسة تؤدي إلى التهلكة، فيما قد تكون في المختبر العلمي فضيلة.

الانضدادية، فرط الموضوعية، مراكمة الفشل، قلة الحيلة، الدوران حول الذات، تضخم الذوات، التحالفات الآنية، الصندوق-قراطية بدلًا من الديمقراطية…الخ جميعها مصطلحات تنتمي إلى حقل دلالي واحد، هو حقل التأخر التاريخي الموروث، وما لم يتم تجاوز هذا التأخر التاريخي لن يكون الحال أفضل مما كان.

ختامًا، نعتقد أن المعارضة السورية قُدّر لها أن تكون أنموذجًا لظاهرة كاملة في المنطقة العربية والشعوب المتأخرة تاريخيًا بالعموم، لذلك فإن ما ينطبق عليها يمكن أن يُعمم على ظواهر سياسية كثيرة في المنطقة، ولعل أبرزها وأهمها هي القوى السياسية والعسكرية الفلسطينية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *