صدى الشام- مثنى الأحمد/
لم يعد همّ الدول المتقدمة أن تبقى سبّاقة على الصعيد الإقتصادي والتكنولوجي وحسب بل باتت تبحث عن مكانة في جميع المجالات، وفي سبيل ذلك اعتادت هذه الدول أن تستقطب العقول والخبرات من كافة أنحاء المعمورة لتمنحهم جنسيتها لكي يقدموا علمهم وتفوقهم باسم هذه البلدان مما يجعلها في واجهة دول العالم الأول.
لكن التجنيس لم يقتصر على الطبيب أو المهندس أو عالم الأحياء أو غيرهم في المجال العلمي أو الصناعي، بل امتد حتى وصل إلى المجال الرياضي وخصوصاً كرة القدم، ودون أن يبقى ذلك حكراً على فرقٍ بعينها فإنه لم يعُد مفاجئاً مشاهدة المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم 2014 وهو يضم بين صفوفه أكثر من لاعب مجنس أبرزهم “ميروسلاف كلوزه” البولندي الأصل و”سامي خضيرة” ذو الأصل التونسي و”بواتنغ” غاني الجنسية، والأمثلة كثيرة.
ومع اقتراب جولة جديدة من تصفيات كأس العالم 2018 لا بد وأن تلاحظ أكثر من اسم تم تجنيسهم لكي يلعبوا لمنتخب غير منتخب البلد الأم، لكن ما هي الدوافع التي تجعل من هؤلاء اللاعبين يُقدِمون على هكذا خطوة، وهل هي ناحية سلبية أم إيجابية بالنسبة للاعب أو المنتخب، وهل هناك قواعد وشروط تحكم التجنيس في كرة القدم؟
الدوافع والأسباب
لا يعتبر التجنيس في عالم المستديرة ظاهرة حديثة كما يظن البعض فيكفي أن نعلم أن الأسطورة الإسبانية “ألفريدو دي ستيفانو” هو من أصل أرجنتيني وولد ومارس الكرة في بداياته ببلاد التانغو قبل أن يلعب لنادي ريال مدريد ويتم بعدها استدعاؤه لتمثيل المنتخب الإسباني، كما أن المهاجم والهداف الإيطالي “عمر سيفوري” أيضًا كان من أصول أرجنتينية لكنه لعب للأزوري في فترة الستينيات، وصال وجال في الملاعب الأوروبية رفقة يوفنتوس.
واقع أمثال هؤلاء النجوم في تلك الفترة يختلف عن واقع اللاعبين في الوقت الحالي، ففي ذاك الزمان لم تكن منتخبات القارة الأمريكية بهذه القوة وليس بهذا القدر من التطور باستثناء المنتخب البرازيلي ربما، وكذلك المنتخبات الأفريقية، على عكس الكرة الأوروبية التي تميزت بالتنظيم وجمالية المنافسة منذ نشأتها، وكان هدف أغلب اللاعبين من اللعب لمنتخب آخر هو الشهرة وتحقيق دخل أكبر.
وفي الوقت الحالي فإن اللاعب ينظر إلى أمور كثيرة غير الشهرة وكسب المال وإن كان السبب الأخير هو أبرز العوامل التي تدفع اللاعبين لوضع شعار غير علم بلده على صدورهم وترديد نشيد غير نشيدهم الوطني، وهذا ما نراه في الغالب عند معظم المجنسين من القارة الأفريقية بسبب ما تعانيه من فقر وضعف إمكانات والأمثلة على ذلك عديدة.
ويفرض مكان ولادة اللاعب ونموه الرياضي حاليًا نفسه على اختياره البلد الذي سيمثله بالنظر إلى عامل الهجرة التي أجبرته على أن ينشأ في مكان غير وطنه الأصلي، فنلاحظ أن لاعبًا مثل “إكسيل فيتسل” يلعب لمنتخب بلجيكا وهو من أصول فرنسية، وكذلك الحارس “أنطونيو لوبيز” الذي لعب للمنتخب البرتغالي وهو من أصول فرنسية أيضًا، وكمثال آخر هناك المهاجم “ماريو غوميز” الذي مثّل ألمانيا بدلًا من إسبانيا بلده الأم.
وبالنظر إلى هؤلاء اللاعبين وأمثالهم نجد أنه لا المال ولا الشهرة ما دفعهم لتغيير منتخباتهم إذ كان بإمكانهم الحصول عليها مع بلدانهم الأصلية.
ومن الدوافع أيضًا أن لايجد اللاعب مكانًا له في منتخب بلاده مع وجود أسماء كثيرة تلعب بنفس مركزه قد تكون على مستوى أعلى منه ما يجعله يتجه نحو منتخب بلد ثانٍ يوفر له خوض مباريات دولية مثل كأس العالم الذي يعتبر اللعب فيه حلمًا لأي لاعب كرة قدم.
وهذا الأمر دفع لاعبين كالبرازيلي “إيدير مارتينز” لتمثيل المنتخب الإيطالي ومن قبله “أماوري” وسبقهم الأرجنتيني “ماورو كامورانيزي” الذي نال مع الطليان لقب مونديال 2006، كذلك نجد كيف أن المهاجم “دييغو كوستا” لعب لمنتخب إسبانيا بدلًا من منتخب السامبا، حاله حال مواطنه “ألكس تيكسيرا” لاعب المنتخب الكرواتي حاليًا.
كما أن هناك بعض اللاعبين قرروا تمثيل منتخبات دول لها نفوذ كبير في بلدانهم التي كانت مستعمرات سابقة لدى تلك الدول، مثل “رود خوليت” و “فرانك ريكارد” و”كلارنس سيدورف” الذين ينحدرون من سورينام وهي البلد المستعمرة من قبل هولندا سابقًا، وهناك أيضًا “لويس ناني” و “ريناتو سانشيز” و”إيدر” من الرأس الأخضر البلد الذي كان خاضعًا للبرتغال في الماضي، بالإضافة للعديد من اللاعبين الذين لعبوا لمنتخب فرنسا التي كانت تسيطر على معظم الأراضي الأفريقية.
إيجابيات وسلبيات
من المؤكد أن للتجنيس في كرة القدم الكثير من الإيجابيات والسلبيات، فهو ينقذ جيلاً كاملاً ربما عندما يملك منتخب معين فريقاً رائعاً ويكون لديه عناصر مميزة في كافة المراكز لكنه يعاني من حراسة المرمى فكلما سجل هدفًا تلقى هدفين وحاول كثيرًا تجربة حراس بلاده لكن بلا فائدة، حينها يصبح من المنطقي تجنيس حارس يشغل هذا المركز بكفاءة لكي لا يضيع جهد اللاعبين الآخرين، ولعل منتخب البرازيل في ثمانينيات القرن الماضي خير مثال على ذلك، حيث كانت أروع كرة بلا حارس مرمى.
ومن فوائد التجنيس أيضًا تطوير اللعبة في البلدان التي لا تعتبر من دول المقدمة في الرياضة الأشهر عالميًا حيث تقوم تلك الدول بتجنيس لاعبين ينقلون الخبرات التي تعلموها في بلدانهم وخصوصًا إذا كان التعداد السكاني في الدول الراغبة بتجنيس اللاعبين قليلاً ولا تملك وفرة بالعنصر البشري وهذا ما ينطبق على دولة مثل قطر التي استقطبت لاعبين أجانب لكافة رياضاتها عن طريق التجنيس.
أما السلبيات فيمكن حصرها بأهم نقطة وهي أن اللاعب مهما كان مخلصًا فإن إخلاصه يكون أكبر للدافع الذي جعله يقبل بالتجنيس وليس للبلد التي اختارها.
شروط
فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم عدة قوانين لضبط عملية تجنيس اللاعبين بعد انتشار هذه الظاهرة بشكل غير منظم حيث كنا نشاهد أحد اللاعبين يلعب لمنتخب معين ثم نجده في العام التالي يلعب لمنتخب آخر.
وعلى الراغب في تمثيل بلد غير بلده أن يكون مقيمًا في دولته الجديدة بعد بلوغه 18 عامًا لمدة خمس أعوام قبل تمثيل منتخبها الوطني، ويحدث التجنيس كذلك إذا كان اللاعب مولودًا في بلد الاتحاد المعني بالجنسية، أو أن يكون والده أو والدته ولدا في بلد هذا الاتحاد، أو أن يكون جده او جدته ولدا في بلد الاتحاد المعني، وبالنتيجة يجب أن يكون هناك على الأقل أحد هذه الشروط الأربعة كي يتمكن اللاعب من الدفاع عن ألوان البلد الذي يعرض عليه الجنسية.
وفي حال عدم وجود أي روابط للاعب ببلده الجديدة قبل التجنيس فإن الحالة تصبح غير شرعية، والأهم هو مكان الولادة للأهل وليس الجنسية ومدة معيشته بالدولة التي يريد الحصول على جنسيتها.
وتبقى لهذه القوانين الكثير من الثغرات التي تدخل منها الدول الراغبة بتجنيس أحد اللاعبين، كما يحصل مع اللاعب السوري “عمر السومة” الذي تسعى المملكة العربية السعودية إلى تجنيسه للعب مع المنتخب الأول بعد مشاكل اللاعب مع اتحاد الكرة في بلده.
ولكن لكي تجني الدول فوائد التجنيس فعليها أن تسير وفق خطة طويلة الأمد كأن يتم توظيف بطل ليلعب للمنتخب الوطني، ثم يبقى هذا البطل مستقبلًا ليكون عضوًا فاعلًا في اتحاد اللعبة أو ما ينبثق عنه من أندية وأكاديميات.
وهكذا تبقى الخبرة والقدرات في البلاد الجديدة ولا تكون المسألة مثل رحلة تسوق قصيرة، ما أن نستهلك ما اشتريناه حتى اضطررنا للعودة إلى التسوق من جديد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث