الرئيسية / رأي / ترامب يعيد خلط الأوراق السورية

ترامب يعيد خلط الأوراق السورية

صدى الشام _ عبد القادر عبداللي/

في خطوة غامضة، أصدر الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب توجيهاته للوزيرين المسؤولين لديه (الدفاع والخارجية) بإجراء دراسة شاملة حول إقامة “مناطق آمنة” في سوريا! ويلفت التوجيه إلى أن دولاً خليجية عربية ستمول هذه المناطق، ويسكنها المهاجرون السوريون الساعون للوصول إلى أوروبا.

واعتبر نص التوجيه أن أوروبا مخطئة باستقبالها أعداداً كبيرة من المهاجرين السوريين، وأن الإبقاء عليهم في أماكن تواجدهم (المناطق الآمنة) أسهل وأقل كلفة من تحمل نفقات الإنفاق عليهم.

الخطوة ليست غامضة فحسب، بل مستغربة جداً أيضاً، فتركيا وعلى مدى أكثر من خمس سنوات من عمر الثورة السورية تطالب بإقامة مناطق من هذا النوع، وتبذل ما باستطاعتها من أجل إقناع الولايات المتحدة بالمساهمة في إقامة هذه المناطق، وحتى إنها تطرح المبررات الإنسانية وصعوبة تأقلم اللاجئين الجدد مع محيطهم الجديد نفسها، ولكن دون جدوى.

عبارةُ (دول الخليج العربي التي ستمول هذه المناطق) تزيد الأمر غرابة؟ ما هي هذه الدول؟ فالخليج منقسم أساساً إزاء الربيع العربي، والموقف من إيران، وهناك قطر التي تساهم بشكل ما بتمويل منطقة عمليات درع الفرات التي تنفذها القوات التركية مع ما بقي من جيش سوري حر، وبمناسبة الحديث عن منطقة عمليات درع الفرات، أليست هذه منطقة آمنة، وتتطلب دعماً، وتأسيس إرادة سياسية تدير شؤون الحكم فيها؟ فلماذا يذهب ترامب بعيداً، ويطالب بتأسيس مناطق آمنة للذين يبحثون عن ملجأ آمن لهم؟

لعل الجانب التركي هو أكثر من تلقى الضربات من الولايات المتحدة الأمريكية في الملف السوري وخاصة في قضية ملف المناطق الآمنة، وهو ينطبق عليه في هذا المجال المثل القائل “من احتراق فمه بالحليب فسينفخ على اللبن”، لذلك كان الأسرع لإبداء الحذر، وإطلاق التحذير، فقد نبه الناطق باسم الخارجية التركية بأن مناطق ترامب الآمنة التي أعلن عنها غير واقعية، وطالب الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف إلى جانب ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر أستانا ليكتب له النجاح، وفرض وقف شامل لإطلاق النار في المناطق السورية المختلفة. وتشابهت ردود الفعل التركية الرسمية حول تدخل ترامب المفاجئ، فكلها اتسمت بالتشكيك ومحاولة الطعن بما تم التوصل إليه.

على صعيد آخر اتخذ الكتّاب والصحفيون الأتراك في تركيا موقفاً مختلفاً قليلاً من إعلان ترامب عن مناطق آمنة في سوريا، فقد اعتبرت غالبيتهم المطلقة أن خطوة ترامب هي خطوة أولى، أو عملية جس نبض الموقف التركي لتتبعها خطوات أخرى، ولم يعزوا الأمر إلى إقامة مناطقة آمنة بقدر ما ربطوه بحماية الكنتونات الكردية المشكلة حالياً على أرض الواقع في الشمال السوري، واعتبروا الأمر مرحلة البدء بالتقسيم الفعلي لسوريا الراهنة.

بغضّ النظر عن نظرية شروق الشمس من موسكو، فقد أصبح هناك لاعب جديد فاعل في الساحة السورية يتمثل في موسكو فعلياً، وقد تجلى هذا الأمر من خلال المؤتمر الذي رعته موسكو في أستانا، وباعتبار موسكو أصبحت طرفاً أساسياً في القضية السورية لم يعد بالإمكان تجاهل موقفها، والموقف الروسي رفض وجود اتفاق عسكري يقضي بوضع جزء من الأراضي السورية تحت حماية دولية، ولعلنا نجد في البيان الروسي نقطتين مهمتين أشار إليهما؛ الأولى: وجود اتفاق عسكري حول الملف السوري بين موسكو والولايات المتحدة. والنقطة الثانية: عدم تضمن هذا الاتفاق إقامة منطقة آمنة خارج سيادة السلطة السورية.

طرف الملف السوري الثالث الإيراني أيضاً يرفض إقامة هذه المناطق، ويعتبرها انتهاكاً للسيادة، وكان قد رفض عملية درع الفرات التي تخوضها القوات التركية بين جرابلس وإعزاز.

ماذا يعني إعلان رئيس دولة عظمى وهو أعظم رؤساء دول العالم ليقول كلاماً قديماً مكرراً؟

احتمالات الإجابة عن هذا السؤال قليلة ومحدودة؛ فإما أن فريق ترامب لم يضعه في صورة الأوضاع السورية بشكل جيد وهذا ما يجعل تصريحاته وتصرفاته متناقضة حول هذا الملف، أو أنه ليس راضياً عن الموقف التركي، وخاصة من حزب العمال الكردستاني، ويريد توجيه ضربة قوية لتركيا انطلاقاً من سوريا. وبالطبع في هذه الحال ستكون المناطق الآمنة المقترح تأسيسها هي الكنتونات الكردية ومناطق تواصلها الجغرافي.

وإذا كان ترامب يهدف لتحقيق الإجابة الثانية، فهذا يشير إلى أن الملف السوري سيمرّ من منعطفات صعبة جداً، وسيطول أكثر برعاية ترامب.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *