صدى الشام - مثنى الأحمد/
بات تغيير أندية كرة القدم حول العالم لشعاراتها خبراً معتاداً يظهر بين فترة وأخرى، لكن في الآونة الأخيرة تزايدت هذه الحالات حتى لاحظنا في هذه السنة أكثر من نادٍ يُقدم على هذه الخطوة من بينها اثنان من أكبر أندية أوروبا هما أتلتيكو مدريد ويوفنتوس.
عدد قليل من الأندية حافظ على شعاره الذي صُمم عند التأسيس، فمعظم الشعارات الحالية قد تغيرت لتواكب التطور والتقدم الذي يشهده العالم في كافة المجالات وليست الرياضية فحسب، فالشعار المصمم في خمسينيات القرن الماضي لم يعُد مناسبًا في الثمانينيات، وشعار التسعينيات لا يفي بمتطلبات العصر الحالي.
وفي كل مرة يقوم بها أحد النوادي بتغيير شعاره تلقى هذه القرارات الإدارية احتجاجًا جماهيرًا واسعًا، فمعظم هذه الجماهير نشأت على حب ناديها مع هذا الشعار، وتعودت على رفعه في المحافل القارية والمحلية وليس بالسهل تقبلها لهكذا خطوة، فنجد مثلًا مشجعي يوفنتوس الرافضين للشعار الجديد ويصفونه بأنه بلا روح، وما زالوا يحملون الشعار القديم عند الدخول للملعب، مع العلم أن الشعار السابق صُمم سنة 1995 ولم يكن هذا هو أول تغيير يحدث في شكله.
ومع كل هذه الاعتراضات نجد أن إدارات الأندية تصر على إجراء التغيير في شعاراتها أو تجديدها، فما الذي يدفعها لاتخاذ مثل تلك الخطوات التي يمكن وصفها بالجريئة كونها تتعلق بشيء من تاريخها؟
تحول كرة القدم إلى صناعة
تتفق الغالبية العظمى من متابعي المستديرة أن هذه الرياضة لم تعد مجرد لعبة تطفىء شغف الجماهير في عطلة نهاية الأسبوع، ولم تعد مجرد هواية يمارسها اللاعب في أوقات فراغه، فهذا الجلد المدور أصبح صناعة قائمة بحد ذاتها لها مقوماتها وأسسها التي تعتمد من خلالها على بقائها قائمة وسط صناعات كثيرة نشأت حديثًا في هذا العالم، في حين نسمع بأندية كثيرة رفضت هذا الواقع وانتهى بها الأمر إلى الاختفاء من الساحة الكروية.
ومع هذا التحول لم يعد الشعار مجرد رمز يُوضع على صدر اللاعبين وأعلام الجماهير، فهو أصبح يمثل هوية بصرية وعلامة تجارية للنادي، فمن أبرز متطلبات العصر الحديث أن يكون الشعار قابلًا للاستخدام الرقمي سواء في مواقع الإنترنت أو التطبيقات أو وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا ما يندرج في خانة سعي الأندية في توسيع استراتيجيتها وخصوصًا من الناحية الاقتصادية، ولأجل ذلك يجب أن تتماشى الشعارات مع أذواق الأجيال الجديدة.
استهداف غير المهتمين بالرياضة
بدأت عدة أندية بتوسيع نطاقها الاقتصادي عن طريق إخراج نفسها من الإطار الرياضي لاستهداف الجمهور غير الرياضي حول العالم، ما يعود عليها بدخل مادي مضاعف بشكل أكبر بكثير من اعتمادها فقط على محبي النادي ومشجعيه.
فها هو نادي يوفنتوس مثلًا يصمم شعاره الجديد الذي يحمل تصميمًا مميزًا وبسيطاً يتألف من مجموعة خطوط حادة، ومن المؤكد أنه سيخطف الأنظار أينما استخدم ذلك أن إدارة النادي تسعى بشكل واضح لتطوير هوية ومفهوم النادي البصرية لتتجاوز الرياضة إلى ما هو أبعد بكثير.
كذلك فعل أتلتيكو مدريد رغم أن التغيير كان بسيطًا وليس جذريًا كما فعل النادي الإيطالي، إلا أن انسيابية الشعار الجديد وتغيير بعض التفاصيل تجعله أكثر قابلية للتوسع والانتشار، إذ نلاحظ أن الدب والشجرة اللذان يرمزان لتاريخ النادي تم تعديلهما وتكبير حجمها نسبيًا ليظهرا بشكل أوضح للناظر.
استقطاب كافة الفئات
في سبيل الوصول إلى كافة الفئات الجماهيرية (ونقصد هنا الدينية والعرقية) بذلت نوادٍ كل ما يمكن للعمل على كسر أي حاجز يحول بينها وبين تلك الجماهير، وقامت بتعديلات جزئية في شكل شعاراتها بعيداً عن التغيير النهائي.
فنادي برشلونة أزال الصليب من شعاره المرسوم على القمصان والمنتجات التجارية للنادي، والتي تذهب إلى المناطق ذات الأغلبية المسلمة حتى لا يجد البعض منهم حرجًا أو مانعًا في استخدام وشراء تلك المنتجات، وهذا ما فعله كذلك ناديي إنتر ميلان وإي سي ميلان الإيطاليان، بعد افتتاحها عدة مدارس كروية في الوطن العربي وفي دول آسيوية ذات غالبية مسلمة.
ورفع كذلك ريال مدريد رمز الصليب من شعار النادي رغبة في كسب الرعاة التجاريين العرب، وقرر إزالته من شعار الفريق الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، الذي سيظهر على بطاقات الائتمان الخاصة بــ “بنك أبو ظبي”، الذي وقع عقد رعاية مع النادي الإسباني.
سياسة المُلاك الجدد تجاه أنديتهم
استملكت في الآونة الأخيرة بعض رؤوس الأموال الضخمة أندية بعضها ذو تاريخ كروي كبير وبعضها الآخر لا يحمل اسمًا كبيراً، وسعَت رؤوس الأموال هذه إلى نقل أنديتها إلى أفق تجارية واسعة، ومن بين الإجراءات التي نفذتها في سبيل هذا الهدف تغيير أو تعديل شعار النادي الذي استحوذت عليه.
فعلى سبيل المثال كان انتقال نادي باريس سان جيرمان الفرنسي لمرحلة جديدة من تاريخه مع هيئة قطر للاستثمار المالكة للنادي، والتي قررت في 2013 تغيير شعار النادي وتطبيق هوية بصرية جديدة تعبر عن العمل الذي يتم القيام به على الأسس الاستراتيجية للعلامة التجارية للنادي عبر وسائل إعلامه.
الشعار الجديد يعبّر عن موقع النادي داخل تاريخ العاصمة باريس، حيث حرصت الإدارة على إبراز اسم مدينة باريس ونقل كلمة سان جيرمان للأسفل بخط أصغر حجمًا، مع الإبقاء على رمز المدينة برج إيفل وزهرة الزنبق، وإزالة عنصرين من الشعار هما مهد الملك لويس وتاريخ تأسيس النادي.
ويعتقد بعض المهتمين أن إزالة تاريخ تأسيس النادي جاء لكونه ناديًا صغيرًا جدًا من ناحية التأسيس، حيث تأسس في 1970 ما يجعله بعيدًا عن المنافسة مع نظرائه من كبرى الأندية الأوروبية على صعيد الأقدمية.
وكذلك فعل نادي مانشستر سيتي صاحب التاريخ المتواضع حين كشف مع ملاكه الإماراتيون عن الشعار الجديد الذي حمل التصميم الدائري واللون الأزرق مع الإبقاء على أهم ثلاث عناصر للشعار وهي السفينة والأنهار الثلاثة والوردة الحمراء وهي جميعها عناصر ترمز لمدينة مانشستر وتاريخها.
وفي نظرة أولى لشعار مانشستر سيتي الجديد يستطيع الشخص أن يقرأ بوضوح اسم مانشستر سيتي بخلاف الشعار القديم، في إشارة من إدارة النادي الجديدة إلى أن النادي أصبح اسمًا كبيرًا في عالم كرة القدم.
ليست الأندية فقط من تُغير شعاراتها
لم يقتصر تغيير الشعارات على الأندية فقط بل طال حتى الجهات التي تمثل الدوريات الكبرى إذ بدأت تنظر لهذا الجانب كخطوة في سبيل التطوير، حيث توجهت رابطة الدوري الإنجليزي هذا الموسم إلى إبراز اسم “البريميرليغ” بدون شريك تجاري لجعل شعار الدوري هو علامة تجارية بحد ذاتها، لتقوم الرابطة بإطلاق هوية جديدة لدوريها حافظت من خلالها على وجود الأسد بلمسة عصرية، حيث يرمز الأسد لتاريخ وإرث هذه المسابقة، وقد رُوعيَ في تصميم الهوية أن تكون مرنة حين عرضها رقميًا أو عبر البث التلفزيوني، حيث يتسم الشعار الجديد بالحداثة والمرونة والحيوية.
وعلى نفس النهج سارت رابطة الدوري الألماني حين كشفت عن الشكل الجديد لشعارات الرابطة و”البوندسليغا” و”البوندسليغا 2″ والتي سيبدأ استخدامها من الموسم المقبل 2017-2018، والتي تم تغييرها بشكل طفيف لتلائم الاستخدام الإلكتروني والرقمي، وتميز الشعار بوجود تصميم خاص بدوري الدرجة الثانية لتقوية علامته التجارية.
بعد كل تلك النماذج نجد أن كل الأسباب تبقى ثانوية في تغيير الشعار الخاص بالأندية فالهدف الرئيسي اقتصادي بحت، ويؤكد في النهاية أن كرة القدم باتت صناعة قائمة بحد ذاتها ولها عناصر تكملها وعوامل عديدة تؤثر في بقائها مستمرة، عوامل قد تؤدي إلى تغيير ليس في شكل شعار النادي وحسب وإنما من الممكن أن نشاهد أمور كثيرة تتغير في كرة القدم ربما لا نستطيع التنبؤ بها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث