صدى الشام _ حاوره مصطفى محمد/
تداولت وسائل الإعلام الموالية لنظام الأسد في الفترة الأخيرة خبراً عن تدمير تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لأجزاء من المسرح الروماني الأثري في مدينة تدمر ما أثار ردود فعل غاضبة دفعت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) “ايرينا بوكوفا” لوصف ما حدث بجريمة الحرب الجديدة.
غير أن ما جرى من وجهة نظر مغايرة لم يكن سوى “مسرحية تهدف إلى التغطية على حجم الجريمة الإنسانية في حلب” بحسب اعتقاد الأكاديمي السوري والباحث في مركز الأبحاث الفرنسي للآثار في جامعة السوربون في باريس “أنس المقداد” والذي لم يستبعد تورط روسيا في سرقة الآثار التدمرية كذلك.
وبمنطق العارف بخبايا الأمور وتفاصيلها يشدد “المقداد” على عدم كفاءة الروس للتعامل مع الملف الأثري السوري، لأنهم حسب رأيه “لا يمتلكون التصورات والخبرة التي تؤهلهم للخوض في هذا الجانب”.
صدى الشام حاورت ” المقداد” الذي ذهب إلى حد اتهام “اليونسكو” بالانحياز بصمتها إلى جانب النظام، على الرغم من فشل الأخير في مسؤولياته تجاه الآثار السورية وحمايتها، فضلاً عن مشاركته في تدميرها.
– وصفت منظمة اليونسكو ما جرى في مدينة تدمر مؤخراً من أعمال تدميرية قام تنظيم الدولة بها، لبعض المواقع الأثرية، بعد إعادة سيطرته عليها، بـ”جريمة الحرب و أنها خسارة كبيرة للشعب السوري”، ما هي القيمة الأثرية لما تم تدميره؟
توضح صور الأقمار الصناعية أن الدمار طال أجزاء من مدرج المسرح الروماني، والتترايبل الأثري، أما عن أهمية هذه الآثار فمهما تحدثنا فقد لا نرقى إلى مستوى أهميتها، لكن اللافت أن يتزامن هجوم التنظيم الأخير على تدمر مع ما كان يجري في حلب.
– مع وضوح هذه اللفتة التي أشرت لها أي تزامن سيطرة التنظيم على تدمر للمرة الثانية مع القصف الذي كانت تتعرض له حلب، الأمر الذي مهد إلى انسحاب المعارضة عنها، يرى البعض أن أي سيناريو في هذا الإطار مستبعد، ما هو ردكم على هذا؟
ما جرى كان مخططاً قولاً واحداً، النظام والقوات المتحالفة معه كانوا يخططون إلى افتعال ضجة إعلامية عالمية، وأين سيجدون مسرحاً لها أفضل من تدمر الأثرية؟ وأبعد من ذلك لا أستبعد أن تكون روسيا متورطة في سرقة آثار المدينة.
– هل تشير إلى احتمالية تورط الروس في نهب بعض آثار المدينة، وهنالك أحاديث إعلامية تحدثت عن دخول فرق أثرية إلى المدينة بذريعة إزالة الألغام؟.
لا توجد أدلة ملموسة على ذلك، لكني لا أستبعده مطلقاً، الجيش الروسي كان متواجداً في هذه المدينة الغنية بآثارها.
– الروس تحدثوا أيضاً قبل سيطرة التنظيم على المدينة مجدداً أنهم كانوا بصدد مساعدة النظام على ترميم ما تم تدميره من آثار في تدمر، برأيك ومن موقعك كأحد أبرز علماء الآثار في سوريا، هل تمتلك روسيا الدراية الكافية التي تؤهلها للمساعدة في مجال ترميم الآثار السورية؟
الفرنسيون كانوا أول من بدأ التنقيب الأثري في مدينة تدمر، ففي العام 1930 كان سكان تدمر يعيشون في المدينة الأثرية، وحينها تم إخراج السكان من المدينة القديمة بأمر من سلطات الاحتلال الفرنسي إلى المدينة الحديثة الحالية، ولاحقاً وبعد الاستقلال واصلت البعثات الفرنسية عملها إلى جانب فرق تنقيب بولونية وألمانية ويابانية، وعملت هذه الفرق لعقود طويلة، وعليه ليس بمقدور الروس المساعدة في هذا المجال بالمطلق، لأن فرقهم ليس لديها الخبرة والمعرفة بتاريخ المدينة الأثري، باستثناء زيارات قليلة قام بها بعض المستشرقين الروس إلى المدينة.
– هذا يعني أن ترميم هذه الآثار مستقبلاً بحاجة إلى وجود تلك البعثات والفرق الفرنسية والألمانية واليابانية؟
بدون أدنى شك.
– من يتحمل اليوم مسؤولية ما جرى من دمار للمواقع الأثرية السورية؟
وفق القوانين الدولية، فإن نظام الأسد أو ما تبقى منه هو من يتحمل هذه المسؤولية، لكنه كما أشرنا سابقاً هو شارك في الدمار، أي هو من قصف بعض المواقع الأثرية في حلب القديمة وفي درعا وفي غيرها، بالتالي هنا كيف سنطلب من مجرم دمّر الآثار أن يحافظ عليها؟ وأكثر من ذلك هو يقتل الإنسان السوري الذي يعد جزءاً من الموروث السوري، لأنه نتاج وحامل الإرث الحضاري.
– إذا كان هذا هو حال النظام مع الآثار والإنسان، لماذا لم نشاهد تحركات دولية لحماية الآثار السورية على الأقل؟
لي تجربة مريرة مع اليونسكو في هذا الشأن، فقد عملت لفترة مديراً للآثار والمتاحف مع الحكومة السورية المؤقتة بصفة تطوعية، وحينها اتفقنا معهم على التعاون سعياً لتنفيذ مشاريع لحماية الآثار في المناطق المحررة.
وعلى سبيل المثال هنا أذكر أننا قدمنا لهم مشروع ترميم وتوثيق وصيانة ما تبقى من القطع الأثرية في متحف مدينة إدلب، بالإضافة إلى مشروع يبحث في تدريب فرق وطنية في المناطق المحررة على حماية الآثار والتعامل معها، أي بمعنى أدق لقد قدمنا لهم مشاريع متكاملة في الشمال والجنوب، لكن وللأسف لم تستجب المنظمة لهذه المشاريع، وحصرت تعاملها مع النظام وذلك عبر تأسيس اليونسكو لمكتب تنسيق أثري في بيروت منذ بداية الثورة السورية لتمويل حكومة النظام. إذاً نستطيع القول أن اليونسكو متواطئة مع النظام في تدمير الآثار السورية.
– بالانتقال إلى قضية هامة تخص مصير القطع الأثرية السورية التي هُربت إلى خارج سوريا خلال سنوات الثورة. ما هو مصير الآلاف من هذه القطع؟
بشكل عام القوانين الدولية الناظمة تضمن إعادتها إلى الأراضي السورية. هنالك إجراءات تستوجب مصادرة كل القطع الأثرية التي تهرب عبر الحدود، وفحصها ومن ثم تصويرها وتسجيلها وترقيمها، لكن هذه القوانين تبقى نظرية، وللأسف فإن الواقع مغاير لهذا تماماً، فالتهريب يتم عن طريق “مافيات” عالمية.
– في هذا الصدد يتساءل البعض عن سبب وجود قطع أثرية سورية أو مصرية أو يونانية أو سواها في متاحف العواصم الأوروبية، لماذا لم يتم استراددها من حكومات الدول الأم؟ وقد يقول قائل إن حكومات مستقرة لم تستطع أن تسترد قطعها الأثرية، فكيف هو الحال في النموذج السوري؟
كان هذا كنتيجة مباشرة للاحتلال، فالمحتل كان يأخذ القطعة الأثرية التي يريدها بدون مشورة أحد من سكان البلاد، لكن هذا لا يمنع مطالبة الدول بهذه القطع، وشاهدنا هنا كيف استعادت الحكومة المصرية بعض القطع الأثرية مؤخراً، وكما ساهمت قوى الاحتلال في ذلك، فإن تجار الآثار يتحملون المسؤولية، إذ كانت هذه القطع تنقل عبر البحر إلى البلدان الأوروبية. دعني أوضح أننا اليوم وصلنا إلى مرحلة لا نطالب فيها بعودة القطع الأثرية القديمة، لأننا نبحث في كيفية عدم السماح بتهريب ما تبقى من قطع أثرية لازالت موجودة في الداخل.
– ما تحدثت به يقودنا إلى التساؤل عن مسؤولية أي حكومة سوريّة قادمة تجاه الآثار السورية، بغض النظر عن شكل هذه الحكومة أو عن الجهات التي ستشارك فيها، سيما وأننا في مرحلة بحث الحل السياسي؟
لست متفائلاً بالحل السياسي، روسيا هي قوة احتلال، فكيف سننتظر من قوة احتلال حلاً سياسياً.
– بالعودة إلى واقع الآثار السورية اليوم، تحدثتم عن مساهمة الاحتلال الفرنسي سابقاً بخسارة البلاد لكثير من القطع الأثرية، هل ما يجري اليوم شبيه بتلك الفترة، أقصد هل نشهد اليوم تغريبة أثرية سوريّة؟
دعني أتحدث بكل صراحة، إن سرقة الآثار السورية فعل قام به أطراف الصراع السوري بدون استثناء، للأسف بعض الكتائب التابعة للمعارضة أيضاً، والتي لم تكن بحجم المسؤولية، شاركت في تدمير الآثار ونهبها، وكذلك النظام فعل فعله بتدمير الآثار وتهريبها أيضاً، وهذا يعني أننا أمام واقع أثري مؤلم ومتدهور.
– على ذكر الواقع الأثري المؤلم، ما هي قابلية المواقع الأثرية المدمرة للترميم؟
غالبية المواقع التي تدمرت لها مخططات محفوظة، وهي قابلة للترميم بشكل أو بآخر، لكن إلى حين وصولنا إلى تلك المرحلة، يجب البحث في الإبقاء على جزء من هذه الآثار المدمرة على طبيعته، حتى تكون شاهدة على الدمار الذي حصل.
– كباحث وخبير أثري، ما هي المواقع الأثرية السورية التي دُمّرت والتي تؤرقكم بنسبة أكبر من غيرها؟
يذهب تفكيري دائماً إلى تدمر، فهناك النحت التدمري الذي تتميز به هذه المدينة عن سواها من الآثار الرومانية؛ هناك مدافن جرى تدميرها تحكي قصص عائلات عربية تدمرية، وأيضاً تم تدمير أسواق حلب الأثرية، وكذلك مئذنة الجامع الأموي، وأجزاء من مدينة بصرى الأثرية، نحن نتحدث عن بلد أنتج للعالم حضارة، لكن النظام وضعهُ في عين العاصفة.
– اتهمت اليونسكو بـ”التواطؤ” مع النظام، بعيداً عن اليونسكو أود أن أختم حوارنا، بمعرفة التصور الغربي الأكاديمي للواقع الأثري السوري اليوم، وخصوصاً أنك على تماس مباشر معه من خلال عملكم في العاصمة الفرنسية باريس؟
قسم كبير من علماء الآثار في الدول الغربية هم مع النظام قطعاً، وقسم آخر منهم يدركون حجم الكارثة الكبيرة التي حلت بالآثار السورية، وهؤلاء لهم تأثير محدود، رغم أنهم يبدون تعاطفهم معنا كسوريين مهتمين بالآثار.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث