صحيفة الحياة/
لم يكن مستساغاً لدى المصريين قبل خمس سنوات أن يستوقفهم أحد في الطريق ليمنحهم ورقة معطرة، فكان طبيعياً أن تأتي ردود الفعل جافة مرتابة، غير أن مثابرة شبان سوريين لجأوا إلى مصر مع تصاعد حدة الحرب أتاحت لهم تفوقاً في سوق صناعة العطور المشتهرين به، ليفرضوا تقاليد عطرية لم تُعرف في مصر من قبلهم.
على مدار سنوات تمكن عدد من اللاجئين السوريين (نصف المليون لاجئ وفقاً لوزارة الخارجية المصرية) من تأسيس سوق عطري مستقل بواقع مئات المتاجر متمركز بمعظمه في وسط القاهرة وفي شرقها، في ضواحي مدينة نصر ومصر الجديدة، وصولاً إلى جنوبها في ضاحية السادس من أكتوبر. وبخلاف الضواحي الأكثر رفاهية وصلوا إلى أخرى شعبية كشبرا (شمال القاهرة)، ومحافظات عدة كالإسكندرية وبورسعيد والمنصورة والمنيا وأسيوط، لتصبح مصر الدولة الأكثر استيعاباً لعطورهم بين دول اللجوء، فنجد أن ما يقارب ثلثي فروع الشركة السورية الأشهر «ماء الذهب» (83 فرعاً) في مصر بينما بقية الفروع موزعة بين سورية ولبنان وتركيا.
يفسر مؤسس شركة «سوريانا للعطور» يامن العجمي تفوق السوريين في مجال العطور داخل مصر لتحل في مرتبة مجاورة لمهن الطبخ وتجارة الملابس التي امتهنها اللاجئون بقوله: «سورية مشتهرة بالورد الجوري (الشامي) وتلقب دمشق بمدينة الياسمين، فالعطر له مكانة خاصة لدى شعبنا الذي كان يستيقظ صباحاً على رائحة الزهور المنتشرة في منازله، مع ظروف الحرب حملنا ثقافتنا معنا ونجحنا في نقلها للقاهرة التي استقبلتنا مرحبة».
عمل العجمي في مجال صناعة العطور قبل النزوح من سورية على سبيل التجربة إلى أن أتقنها. ويقول: «مع الوقت تحولت نظرتي إلى صناعة العطر من مجرد مهنة إلى فن، فلا شيء أفضل من أن تمتهن إبداع حالات شعورية عبر عطر وتتعامل مع الفل والياسمين وروائح فواكه». ويضيف: «قدمت إلى القاهرة مع عائلتي قبل خمس سنوات وهنا استأنفت العمل في المجال ذاته، عبر استئجار مساحة في محل مصري يبيع أغراضاً أخرى، ولجأت كغيري من السوريين الذين عملوا في ذلك المجال إلى اختبار الورقة وسيلة ترويجية، إلى أن استطعت فتح أربعة أفرع في مناطق مختلفة». وعن اختبار الورقة يوضح: «هو تقليد كان مستقراً عندنا في سورية بينما لم يكن معروفاً في مصر، عبارة عن ورقة خاصة بالعطر تحتفظ برائحته وجودته لأطول فترة، يتم طباعة اسم الشركة عليها، ونوزعها على المارة أمام المتجر، حتى إذا أعجبتهم رائحتها في ما بعد عادوا إلينا من جديد».
ويضيف: «وبالفعل كان لذلك التقليد الذي استغربه المصريون في البداية أفضل الأثر في الترويج لعطور السوريين والثقة بها».
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث