صدى الشام _ سلامة كيلة/
وضع الثورة السورية يزداد صعوبة ولا شك، حيث كان التدخل الروسي بكل الثقل الذي ضخه والسلاح المتطور الذي استخدمه لحظة فارقة في تغيير ميزان القوى، لكن لا بد من لمس عناصر أخرى أوصلت الوضع إلى ما بات عليه، حيث يمكن ملاحظة تغيّر المواقف الإقليمية التي صبّت في مصلحة روسيا.
كانت الأردن الدولة الأولى التي عقدت اتفاقاً مع روسيا جعلها تضغط لتسكين الجبهة الجنوبية، من ثم قامت تركيا بالتفاهم مع روسيا سمح لها بالتدخل لمنع سيطرة حزب البي يي دي على الحدود السورية التركية وإقامة فيدرالية كردية، فركزت على “طرد” داعش عن حدودها شمال وشمال شرقي حلب لمنع تمدد الحزب إلى عفرين. وهذا الأمر فرض التضحية بشرقي حلب بعد أن ضغطت تركيا لسحب بعض الكتائب من محيطها، وغضت النظر عن ميل الروس لسحقها.
هذا جزء من المشكلة، وهو يوضّح، أولاً أن كل الدعم الذي كان يقدّم لكتائب مسلحة كان نتيجة مصالح هذه الدول، وحين تغيرت الظروف انتهت المصالح، وثانياً أننا إزاء توافقات دولية وإقليمية تؤثر على وضع الصراع في سورية، وهي توافقات ليست في مصلحة الثورة، وهو أمر كان يجب أن يكون مفهوماً منذ البدء، حيث المصالح هي أساس السياسات، فليس هناك من يتدخل أو يدعم “لوجه الله”. ولقد كانت واضحة مصالح كل تلك الدول منذ البدء، وكان تدخلها نابعاً بالتحديد من هذه المصالح. وإذا كانت إيران تريد الحفاظ على حليفها، وعلى وضعها “المؤثر” في لبنان، وبالورقة الفلسطينية بالتالي، أرادت روسيا أن تعيد “الوجود” في “الشرق الأوسط” بعد أن تركته مع انهيار الاتحاد السوفيتي. لكن، أيضاً أرادت كل من تركيا وقطر الحفاظ على مصالحهما التي استحوذتا عليها من بشار الأسد ذاته بعد أن لمستا أنه ينهار نتيجة رفضه تقديم التنازلات لإنهاء الاحتجاجات. وكانت مصلحة السعودية هي وقف المدّ الثوري كي لا يصلها، لهذا دعمت النظام، ومن ثم انقلبت عليه حينما سُلّم القرار العسكري لإيران.
هذا جزء من “الصورة”، حيث يمكن تناول وضع الكتائب المسلحة ومشكلاتها وتناقضاتها. ربما يظهر الآن أكثر من أي وقت مضى خطأ سياسة “التحرير” التي قامت على السيطرة على المدن والأرياف والأحياء، والتموضع فيها في وضع عسكري مختلّ أصلاً لصالح النظام نتيجة تفوّق قوة النيران لديه ولدى داعميه. لهذا قامت استراتيجية النظام وحلفائه على حصار المدن والأحياء وتركها دون وصول الغذاء والسلاح، بهدف إخضاعها بفرض استسلام المقاتلين وتهجير السكان، ولقد أدت هذه الاستراتيجية إلى تقطيع أوصال المناطق، وتفكيك العلاقة بين المقاتلين. ومن ثم عملت روسيا على “تهدئة” الجبهة الجنوبية بعد أن كادت القوات التي تضمها تصل دمشق، وأخضعت مع النظام مناطق ريف دمشق الغربي ومناطق الزبداني من خلال “المصالحات” وترحيل المقاتلين وعوائلهم إلى إدلب. ويكملان السيطرة بالاتجاه نحو الغوطة الشرقية لإنهاء سيطرة الكتائب المسلحة عليها. وفعل النظام ذلك في حمص، كما حسمت معركة حلب بعد حصار طويل.
بالمقابل لم يكن هناك استراتيجية من جهة الكتائب المسلحة بل أن السنوات الأخيرة أظهرت مدى التفكك والتناقض الذي يحكمها، فقد ظهرت صراعاتها بشكل مستمر، وبات التناحر عنصراً متأصلاً في العلاقة بينها. ولقد أدت سيطرة “الأسلمة” و”السلفية الجهادية” إلى تفكك أكبر، لأن التناقض “الفقهي” كان ينعكس صراعاً مسلحاً، حيث كان كل طرف يعمل لفرض هيمنته ودمج المجموعات الأخرى به. وكان بعضها يلعب دوراً تخريبياً مقصوداً نتيجة الاختراقات الأمنية التي تتحكم به. فخلال حصار حلب وتحضير النظام وحلفائه لاقتحامها قامت قوات نور الدين زنكي بتصفية تنظيم “واستقم”. وظهر أن من يقود المجموعات الأخرى ليس أهلاً لذلك، أو ربما هو يحصر نشاطه في حدود منطقته، أو حتى أن بعضها كان يُقاد من “زعران” وقَتَلة. رغم كثرة المقاتلين، وجدّية كثير منهم، ورفضهم لكل هذه الوضعية. وهي وضعية انعكست سلباً على السكان، خصوصاً نتيجة فرض سلطة “سلفية” ونظام قروسطي، كما فعلت داعش والنصرة، وحتى المجموعات السلفية الأخرى من جيش الإسلام وأحرار الشام وغيرها.
ولقد استطاع جيش الفتح المكوّن من أحرار الشام وجبهة النصرة خصوصاً أن يحقق انتصارات بقرار خارجي، رغم تناقض المجموعات المشاركة فيه، خصوصاً بين الجبهة وأحرار الشام، وبينها وبين الجيش الحر. وكان قبول وجود جبهة النصرة والدفاع عنها جزءاً من سياسة خاطئة.
بالتالي يمكن القول أن أزمة العمل المسلح تمثلت في أنه بلا رؤيا أو استراتيجية أو قيادة موحدة، وأنه ظل مفككاً، ومالت بعض مجموعاته لفرض سلطتها وسيطرتها، و”زعرناتها”، والتناحر مع المجموعات الأخرى. وربما كان الأخطر هو تزايد قوة المجموعات السلفية و”الجهادية السلفية”، وفرض “نظام إسلامي” في المناطق التي جرت السيطرة عليها، وملاحقة كل مخالف باعتقال أو قتل الناشطين وقادة في الجيش الحر. ويظهر هنا أن الأسلمة كانت جزءاً من السياسات التي أرادت تدمير الثورة، لأنها أعلت من الميل للسيطرة وإقامة سلطة “دينية”. وكان في خلفية كل ذلك ليس سياسات النظام الذي اشتغل منذ البدء للوصول إلى ذلك، لكن أيضاً “الدول الداعمة” التي عملت على فرض الأسلمة كشرط للتمويل، ثم لأنها أخذت “تشتري” المجموعات، مما أوجد مرجعيات متعددة لا تسمح بالوحدة. كما أن الطابع الأصولي العام الذي فُرض كان يهرّب كوادر مهمة في الحرب والإعلام والسياسة، والتخطيط، ويُضعف ثقة الشعب بهذه القوى.
إذاً لم يكن الأمر يتعلق بدور النظام وداعميه فقط، بل كان يتعلق بطبيعة القوى التي باتت تُعتبر هي الثورة رغم أن العديد منها كان مضاداً للثورة، وبعضها يعمل على تحقيق بديل ليس هو البديل الذي طرحته الثورة، بل إنه متخلف و”سلفي” ومضاد لمصالح الطبقات الشعبية. ولقد باتت هذه القوى هي “المهيمنة” بدعم متعدد، سواء من النظام لبعضها، أو أميركا وإيران وتركيا وروسيا، أوالسعودية وقطر. وكان مطلوباً منها جميعاً أن يتشكّل هذا الوضع لكي تخفي الثورة، وتتعامل على أن الأمر يتعلق بـ “حرب على الإرهاب”، أو بـ “حرب أهلية”. وبهذا تراجع وضع الحراك الشعبي، ثم تراجع وضع الكتائب المسلحة التي تعبّر عن مطامح الشعب، لمصلحة كل هؤلاء.
والآن يظهر المأزق الكبير الذي تعيشه الثورة، دون مراجعة أو محاسبة أو كشف الأخطاء. فقد كانت أشكال المعارضة المختلفة عبئاً على الثورة، وأداة للتدخل الخارجي، وللتغطية على كل الأسلمة التي حدثت، وحتى على مجموعات إرهابية أصولية. وتعلقت بدول كان واضحاً أنها تنطلق من مصالحها وليس من دعم حقيقي للثورة، بالضبط لأنها أصلاً ضد الثورات، وبعضها ينطلق من مصالحه التي حققها في سوريا كـ “تقدمة” من بشار الأسد. وحرثت العالم من أجل التدخل الخارجي الذي كان يضرّ ليس صورة الثورة فقط بل كذلك ممكنات تطورها نتيجة الموقف الشعبي المناهض لكل الدول الإمبريالية. ولهذا يمكن أن نشير بسرعة إلى:
أولاً: أن على هذه المعارضة أن ترحل، وإذا لم تفعل يُشهّر بها كقوة تخريب واستغلال الثورة من أجل مصالح خاصة.
وثانياً: أن يشهّر بكل القوى “الجهادية الإرهابية” والمتأسلمة، وأن يطالب بمقاطعتها والطلب من الشباب المنخرط فيها تركها لتشكيل كتائب مسلحة وطنية، هدفها مواجهة النظام وخصوصاً روسيا وقوى إيران التي هي إرهابية وأصولية كذلك.
وثالثاً: أن يعاد صياغة أهداف الثورة بشكل صحيح بعيداً عن الأسلمة وعن الأوهام، فهي ثورة طبقات شعبية مفقرة تريد إسقاط النظام من أجل بديل اقتصادي يحل مشكلاتها ويحقق مطالبها، كما من أجل دولة علمانية (وأشدد على هذه الكلمة) ديمقراطي يعبّر عن مصالح هذه الطبقات.
ورابعاً: أن يخاض صراع “أيديولوجي” ضد الأسلمة واللبرلة والاعتماد على دول إمبريالية، لأن كل هذه التيارات هي التي قادت إلى الأزمة، والانهيار الذي يجري.
وخامساً: أن يعاد ترتيب الكتائب المسلحة انطلاقاً من أن ما هو ضروري هو أشكال أخرى من العمل المسلح، فليس من الممكن الحفاظ على مناطق “محررة” في ظل اختلال موازين القوى على صعيد التفوق في النيران والحشد، بعد أن ظهر أن من يقاتل دعماً للنظام هي قوى عديدة، ومن دول كبيرة.
وسادساً وأساساً: أن ننطلق من أننا معنيون بكل (وكلمة كل مهمة هنا) الشعب السوري، وبالتالي أن نواجه التقسيم على أساس ديني أو طائفي أو قومي كما فعلت قوى عديدة في المعارضة وكثير من النخب التي عادت طائفية، وهي السياسة التي عمل النظام عليها منذ البدء، وكانت تصبّ في مصلحته، وتطيل أمد الصراع، وتشوهه.
الثورة هي ثورة الطبقات الشعبية كلها، وحين تُخطئ فئة منها لا بد من بذل الجهد الكافي لجذبها وليس وضعها كعدو. ولهذا كلها خسرت كثيراً بالضبط لأنها قبلت أن تتصارع فيما بينها. فكل هؤلاء يجب أن يكونوا ضد الأصولية بمختلف تلاوينها، “السنية” و”الشيعية”، وضد كل القوى التي أتت من الخارج دعماً للنظام أو تحت عنوان “نصرة السنة”، كما ضد كل الدول الإقليمية والإمبريالية التي لعبت وتلعب بالوضع السوري لتحقيق مصالحها. من أجل سورية علمانية ديمقراطية وشعبية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث