صدى الشام – عمار الحلبي/
مع تراجع العديد من القطاعات الاقتصادية في سوريا جراء الظروف التي تعيشها البلاد فقد فتحت الحرب في المقابل أبواباً أخرى للحصول على الأموال.
ولعل أبرز هذه الأبواب هي جوازات السفر التي تحولت مع الوقت إلى دجاجة النظام التي تبيض له ذهباً.
نجح نظام الأسد باستغلال حاجة السوريين داخل سوريا وخارجها إلى جوازات السفر للهرب من الحرب الدائرة في سوريا، ليقوم باستخدام هذه الحاجة الملحّة لتحصيل ملايين الليرات السورية، وليرفد خزينته المتهاوية جراء الحرب على السوريين، والتي تتطلّب تكلفةً عالية.
ويوثّق هذا التقرير، كيف استغلّ نظام الأسد موضوع جوازات السفر في حربه الاقتصادية لتحصيل الأموال، حيث رفع النظام سعر جواز السفر إلى عشرات الأضعاف مقارنةً بسعر الجواز قبل اندلاع الثورة في 15 آذار من عام 2011، وإضافةً لذلك حوّل النظام جوازات السفر إلى سلاحٍ للانتقام من معارضيه في دول الشتات التي لا تزال تعتبره الجهة الوحيدة المخوّلة إصدار معظم الوثائق الرسمية بما في ذلك جوازات السفر.
صحف سورية محلّية ذكرت أن عدد جوازات السفر التي يتم إصدارها بشكلٍ سنوي بلغت بحدود مليون جواز سفر
جملة الارتفاعات
قبل اندلاع الثورة، كان جواز السفر الواحد للمواطن السوريين لا تتجاوز قيمته 4 آلاف ليرة سورية، وكان من الممكن استخراجه بشكلٍ بسيط خلال أيامٍ قليلةٍ دون أية تعقيدات، غير أنه وبعد ارتفاع وتيرة القصف والعنف وحاجة شريحة كبيرة من السوريين للسفر خارج البلاد، رأى النظام أنه من الممكن استغلال جوازات السفر لرفد خزينته فبدأت سلسلة الارتفاعات.
في أواخر عام 2014، قرّر النظام رفع قيمة “كفالة السفر” للذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 42 عام، بمعدل 75 ضعفاً، فبعد أن كانت كفالة السفر قيمتها ألفا ليرة تُدفع في “المصرف العقاري” باتت قيمتها 300 دولار أمريكي” حوالي 150 ألف ليرة.
كما ارتفع أيضاً ثمن طوابع معاملة جواز السفر لتبلغ 7 آلاف ليرة بدلاً من 3 آلاف، ونتيجة الازدحام الهائل على طوابير دوائر لهجرة والجوازات، أصدرت الإدارة العامة للهجرة، قراراً بطرح طوابع جديدة في السوق، ليتم الحصول بموجبها على جواز السفر خلال 48 ساعة، بدلاً من 20 يوماً، وبلغ ثمن هذه الطوابع حوالي 15 ألف ليرة، أي ضعف ثمن طوابع الإصدار العادي.
وكانت صحف سورية محلّية قد ذكرت أن عدد جوازات السفر التي يتم اصدارها بشكلٍ سنوي بلغت بحدود مليون جواز سفر، منها 330 ألف جواز سفر منحتها إدارة الهجرة والجوازات وأفرعها في الداخل السوري ، وإذا كانت تكلفة الجواز 160 دولار أمريكي في الداخل فإن تكلفة إصدار 330 ألف جواز سفر بلغت 5 مليون و280 ألف دولار أمريكي.
ارتفاعات الخارج
بقي أمر الحصول على جواز سفر من سفارات وقنصليات النظام في دول العالم أمراً شبه مستحيل للمواطنين السوريين المطلوبين للنظام، بسبب “الدراسة الأمنية” التي كانت تُجرى على الأشخاص قبل حصولهم على جواز السفر، والتي تمنع المعارضين أو المطلوبين من الحصول على جوازات السفر.
لكن مؤخّراً أدرك النظام أن الجميع يحصلون على جوازات سفرٍ من داخل دوائر الهجرة والجوازات عبر سماسرةٍ يعملون في مؤسساته ويتقاضون مبالغ مادية كبيرة، فقرّر الاستفادة مادية من أموال السوريين في الخارج وأتاح لهم الحصول على جوازات السفر في عام 2015 الماضي، دون الرجوع إلى الملف الأمني الخاص بالشخص، لكن الكلفة كانت عالية جداً، وبمعدل 400 دولار للحصول على جواز سفر و200 دولار لتجديده، وهذه الأموال جميعها تعود للخزينة الاقتصادية الخاصة بالنظام.
سماسرة
في إطار الصعوبات الكبيرة للحصول على جوازات السفر داخل سوريا، وخارجها قبل إلغاء قرار الدراسة الأمنية، واجه الكثير من السوريين عراقيل للحصول على جوازات، ولا سيما المطلوبين منهم، وهو ما فتح الباب أمام سماسرة داخل دوائر الهجرة والجوازات، أو المتعاملين معهم لتأمين “الزبائن”.
وقد التقت “صدى الشام” أحد السماسرة الذين كانوا يعملون على إخراج جوازات سفرٍ للمعارضين والمطلوبين من دمشق. يقول السمسار، الذي حصل على حق اللجوء في الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من عام: “إن بعض الشخصيات التي استخرج لها جوازات سفر كانت معارضة ومعروفة على الساحة السورية، لذلك كان استخراج جواز سفر لها يكلّف مبالغ مادية كبيرة”. ويستحضر السمسار الذي رفض ذكر اسمه حادثة استخراج جواز سفر لأحد إعلاميي المعارضة السورية البارزين من إدارة الهجرة والجوازات في دمشق، حيث كلّف الجواز مبلغ 4 آلاف دولار.
عندما سألناه عن علم موظفي الهجرة بمهنة ودور الشخص الذي يستخرجون جوازاً له مقابل آلاف الدولارات أجاب “نعم يعلمون”.
وأضاف: “لا يهم الموظفين داخل دوائر الهجرة والجوازات ما إذا كان معارضاً أم مؤيداً أم مطلوباً، المهم فقط هو الأموال”، وأشار إلى وجود موظفين دخلوا قبل عام إلى دوائر الهجرة والجوازات لا يملكون إلا ما يلبسون من ثيابٍ، وفي غضون أشهرٍ معدودةٍ تمكّنوا من شراء منازلٍ وسياراتٍ فاخرة، رغم أن راتبهم لا يتعدى 45 ألف ليرة في أحسن الأاحوال، وذلك في إشارة إلى سمسرة جوازات السفر وتقاضي عليها مبالغ هائلة.
يستطرد السمسار بالقول أنه حتى على مستوى الرشوة وإخراج الجوازات \هناك موظفون وسماسرة بأنواعٍ مختلفة، فمنهم من تقتصر مهمته بالحصول على 5 آلاف ليرة من شخصٍ ما مقابل اختصار الطابور الكبير لمواطن عادي، وآخرون يستخرجون جوازاتٍ دون حاجة القدوم إلى فرع الهجرة، ونوع ثالث من العيار الثقيل، هدفه استخراج جوازات للأشخاص الذين لا يستطيعون فعل ذلك، موضحاً أنه بعد قرار إلغاء الدراسة الأمنية تعطّل سَوقهم الخارجي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث