صدى الشام _ ميسون شقير/
هي الأرض التي حبلت بأول سنبلة، وأول الرسومات على كهوب أعاد فيها الإنسان اكتشاف ذاته وأصابعه، هي أرض الأبجدية الأولى التي استشهدت كثير من الكلمات على طريق الوصول إليها، هي أرض المعنى واتجاهاته كلها حين أدار القلب البشري الأول قلبه إليها، هي أرض اللون الذي سافر في سفن الفينيقيين وحط في ريش الأسطورة، هي الفينيقي الذي يولد كلما انتهى، هي البحر في شهوته الأولى لأول شراع، هي المسرح الأول الذي مثلت فيه البشرية قلقها وعرضته على نفسها قبل أن تعرضها على العالم، هي تقاطع الزمان مع المكان على الطريق الواصلة بين شام القلب والشامة الحلبية على خذ البحر.
هي سوريا، كل هذا الذي باحت به موجة لأختها في أول العشق لبحار فينيقي قديم، هي ما لم تبح به الموجة وما باح به الزبد، هي قطعة من السماء على قطعة من الأرض، هي أم إله التاريخ، وابنة آلهة الشمس التي سكنت روح جوليا دومنا، والتي سافرت إلى روما بقلب من قصائد.
هي اليوم أم لثلاثين ألف عاشق سوري غرقوا بين ما خبأته موجة عن أختها، غرقوا وفي الفم الكثير الكثير من الملح.
من أين نبدأ حين لن ننتهي إلّا وفي الحنجرة ألف ذئب يصرخ فوق جثثهم صراخا مالحا؟
هي اليوم أم لنصف مليون قلب يتبادلون دروس الحضارات في المقابر، ويشعلون كتب الحضارات كلها حين يباغتهم الصقيع.
من أين نبدأ؟ من ندم الرصاصة حين اخترقت صورة عاشقة في قلب عاشقها؟ أم من ندم الأحرف التي كتبها طفل على جدار مدرسة؟ أم أننا يجب أن نبدأ من وجع ألعابه حين اقتلعت الأظافر بكل ذاكرة الطفولة وبكل ذاك الشغب؟
من أين نبدأ كي نقول لهذا الوجع السوري الذي ولد كبيرا فأدهش كل علماء العالم، والذي كبر عشر سنين كل سنة، هذا الوجع الذي جاء قبل أن تكمل أمه حملها، والذي ولد يتقن كل لغات العالم ولا يستطيع الكلام، الذي مشى قبل أن يكمل شهرا والذي ركض قبل أن يترك حليب صدرها إلى اللاعودة.
من أين نبدأ كي نقول له تمهل قليلا أيها الوسيم، الجذاب، الطاعن في قسوته، الحنون حتى الشفاف، صاحب النضارة التي كانت في وجوه كل الشهداء في وجهه، وصاحب اللمعة التي كانت تسكن كل عيون الأطفال الراحلين في عينه، وصاحب الكبرياء الذي كان في ملامح كل من مات تحت التعذيب، ومن وجه ما زال ينتظر إله الموت الرحيم؟ تمهل قليلا يا صاحب أجمل شفاه مغرية تحمل كل القبلات التي كانت الصبايا تخبئها لذاك الشهيد، من أين نبدأ كي نقنعك أن الملح خائن؟
كيف سنقنع هذا الوجع السوري الجذاب الذي يملأ صفحات الجرائد، وشاشات السينما، الوجع الذي يسكن الأغنية وسماء القصائد، الوجع الذي يحصد كل يوم جائزة يمن بها العالم عليه حين يعجبه بعض مما يريد من ملامحه شريطة ألا يجرح كبرياء الآلهة والملائكة النيام؟
اليوم يحصد الوجع السوري الوسيم جوائز السينما العالمية، يحصدها بكل جدارة وبدون منازع، فله جائزة أفضل إخراج، وله جائزة أفضل ممثل أساسي، وأفضل دور ثانوي، ولصوته جائزة أفضل موسيقى تصويرية، هو أفضل فلم وثائقي طويل وهو أفضل فلم وثائقي قصير، لصوره المذهلة كل جوائز التصوير، لحكاياه جوائز الرواية والشعر، ولدمه جائزة أول نزيف.
يا أيها الوجع.. تمهل قليلا، واخلع عنك تيجان جوائزهم الثقيلة، وعد إلى الملح الخائن كي تتعرف على طعمك أكثر، عد إلى الملح يا صياد الجوائز العالمية الماهر، وخذ من دموعنا مؤونة منك كي لا تنتهي ولا تفنى، كي لا تشيخ تحت تيجان الجوائز كلها، وكي تعرف أنك ستعرف أن ملح الدموع لا يشابه أبدا ملح البحر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث