صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي /
لعل نظرية المؤامرة من أكثر النظريات شيوعاً في العالم، ولو أجرينا إحصاءً في الدول المتخلفة الديكتاتورية يمكن أن نجد أن نسبة المؤمنين بنظرية المؤامرة هم أكثر من النسبة التي يحظى بها الديكتاتور في الاستفتاءات التي يجريها بين فترة وأخرى. وبالمقابل هناك من يرفض نظرية المؤامرة رفضاً قاطعاً.
بالطبع إن الطرفين يمثلان الغلو والتطرف في الرأي. فالمؤامرة بالطبع موجودة، والدول التي لها مصالح في مناطق معينة لا بد لها أن تتآمر على تلك المناطق، ولكن المصيبة الحقيقية التي نعاني منها هي أن نعلق أخطاءنا، وهزائمنا، وانكساراتنا كلها على مشجب المؤامرة. ثم ألا تحتاج المؤامرة إلى متآمرين؟ والظروف الداخلية لا تلعب دوراً بنجاح المؤامرة؟ على سبيل المثال، كان سقوط الاتحاد السوفيتي نتيجة مؤامرة، ولكن التخلف والظلم وسوء الإدارة ليس لها أي دور في نجاح المؤامرة؟
مع اندلاع الاحتجاجات في الربيع العربي أعادت الأنظمة العربية إنتاج نظرية المؤامرة بقوة. وبالطبع فإن الشعوب التي عانت من أنظمتها ولم تجد العون اللازم من الدول الأخرى أعادت إنتاج نظرية المؤامرة أيضاً. وأصبح كل شيء مرتبطا بمؤامرة. وبما أن المؤامرة لا يمكن أن تمر دون متآمرين، فقد تبيّن بشكل غير مقصود أن الجميع من الكبير وصولاً إلى الطفل الصغير المقمّط في السرير هم متآمرون على أنفسهم، وحتى إن نظرية المؤامرة تطورت لدى النظام السوري إلى درجة أن الناس يتآمرون مع المتآمرين لقتل أنفسهم لتشويه سمعته العطرة، ونموذجه المثالي الذي خرطه الخراط، ثم قلب ومات.
يبدو أن نظرية المؤامرة أصابها الشطط الشديد، وصارت سخرية السخريات مما فرض على السوريين في ظروفهم الجديدة إيجاد اصطلاح بديل، فكان “البيع”…
إذا أردنا أن نعطي لكل ذي حق حقه، فإن هذا الاصطلاح من ابتكار الشبيحة والمؤيدين لمعاون وكيل الإمام الفقيه في دمشق الصغرى، باعتبار أن اللاذقية وطرطوس أصبحتا خارج اختصاصه بعد أن خضعتا للسيادة الروسية. فكلما خسر ما يطلقون عليه اسم “الجيش العربي السوري” منطقة ما أو انسحب منها، أو أعاد انتشاره الناجح بعيداً عنها، تبدأ أنشودة “البيع”، ويصرخ الجميع: “باعوها… باعوها”. بالطبع المعارضة المسلحة لديها كثير من الأموال القطرية والسعودية، وتستطيع الشراء…
انتقل الاصطلاح بالعدوى إلى المعارضة وشبيحة الفصائل المسلحة أيضاً، وكلما خسرت فصائل المعارضة معركة، أو اضطرت للانسحاب أو الفر من مكان، ينسى هؤلاء أن المعارك طوال عمرها كر وفر، ويصرخ هؤلاء: “باعوها… باعوها”. طبعاً لدى إيران كثير من الأموال، وتستطيع الشراء.
لسبب ما لم يكن أحد الطرفين يستطيع شراء الكل، أو بيع الكل، وبقي البيع والشراء محصوراً على بضعة أمتار هنا، وأخرى هناك، وكثيراً ما يتم تبادل هذه المناطق بين الجهتين، ولكن حتى الآن لم يظهر اصطلاح “بيع متعة” و”بيع دائم”…
تطورت نظرية البيع بسرعة، وتجاوزت الصفقات المحلية، وأصبحت إقليمية وعالمية.
عندما دخل الجيش التركي جرابلس، وترافق هذا الدخول مع هزيمة المعارضة، واحتلال النظام لمعبر الكاستيلو، أعلن الناشطون السياسيون المعارضون العارفون بظواهر الأحداث وبواطنها قبل أن تقع، بأن تركيا باعت حلب الشرقية مقابل جرابلس. وأصبح رفض هذا الأمر أو التشكيك به ضرباً من ضروب الكفر. وفي الطرف الآخر أيضاً اعتبر شبيحة معاون وكيل الإمام الفقيه أن القوات الرديفة بات الطريق.
وعندما تمكنت المعارضة من فك الحصار عن حلب، وفتحت معبراً إلى الراموسة، أعلن النشطاء السياسيون المعارضون العارفون بظواهر الأحداث وبواطنها قبل تقع أنفسهم بأن صفقة تجارية جرت بين تركيا والنظام، وباعت تركيا للنظام جبلي التركمان والأكراد مقابل حلب.
بعد تقدم الجيش الحر إلى الباب، وقضائه على داعش، وبروز احتمال فك الحصار عن مناطق عديدة محتملة، أعلن الناشطون أولئك أنفسهم بأن الصفقة تمت، وبيعت الموصل مقابل حلب…
العنصر المشترك في هذه النظريات أنها كلها تفترض أننا شعب خرج تواً من مدينة أفلاطون الفاضلة أو نزل من الفردوس الأعلى، ولا يمكن أن يرتكب خطأ أو يزل زلة، ونحن (مؤيدين ومعارضة) في الوقت نفسه مجموعة أناس خارقين (سوبرمانات) لا يمكن لأية قوة في الأرض أن تقهرنا، ولكن هناك بيننا بعض (المندسين) ضعاف النفوس الذين سرعان ما ينبطحون أمام المال فيبيعون المناطق التي يسيطرون عليها.
المثالية هذه في القوة هي نفسها المثالية في الدين، فالذين سخّروا إمكانياتهم العسكرية كلها من أجل عدم ظهور كعب المرأة ملفوفاً بجورب سميك، هم مسلمون يعرفون كل شيء في الدين، ولا ينطقون عن الهوى، ولكن هناك بعض النساء كيدهن عظيم يكشفن كعوب أقدامهن ملفوفة بجورب سميك من تحت العباءة بصفقة بيع من أجل أن يزجونا في جهنم وبئس المصير.
يبدو أن الأمر الوحيد الذي نسيناه هو أننا بشر، وأننا نخطئ ونصيب، ونجبن ونستبسل، وننتصر ونهزم، ونجوع ونشبع، ونشخُّ ونتبرز…
إذا لم نقنع أنفسنا بأننا كائنات بشرية، وإذا لم ندرك أن هناك نظرية تربوية تسمى “التعلم بالمحاولة والخطأ” وتعني باختصار، بأن العلم الذي نتعلمه من أخطائنا هو من العلوم الأكثر رسوخاً في عقولنا، فسنبقى بحاجة إلى مشجب من أجل تعليق أخطائنا، والتخلص من ذنوبنا وسيئاتنا وهزائمنا وانكساراتنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث