صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/
عندما كان المتعاقدون مع المخابرات السورية المتنكرون بصفة صحفيين يكتبون في جرائد الإمام الفقيه عن مباحثات تركيا مع النظام السوري، واتفاق على لقاء قريب بين الأسد وأردوغان في الكرملين، ويحذفون بعض الكلمات والعبارات من تصريحات رئيس الحكومة التركية بن علي يلدرم على طريقة “ولا تقربوا الصلاة” لتنسجم تصريحاته مع ما يبثونه من أخبار، انقسم السوريون إلى ثلاثة أطراف رئيسة، الأول برر هذا الحوار دون قيد أو شرط، وهذا الطرف يمكن تسميته “منحبكجية أردوغان”، والثاني بدأ يدبج معلقات الشماتة بالمعارضة السورية اصطلح على تسميته “الله يطفيها بنوره” وهو الطرف المؤيد لنظام الأسد، ولكنه يتظاهر بالحياد، وليس لديه شغل سوى شتم المعارضة السورية. وطرف ثالث التزم الصمت لخيبته من موقف الحكومة التركية على الأغلب.
لم تكتف الأنباء بهذا، بل اختُرعت شخصية، ومُنحت رتبة ضابط في المخابرات التركية، وحتى مهمة صياغة اتفاقية أضنة نسبت إليها أقوال لم تقلها، بناء على زيارة قامت بها إلى دمشق، علمًا أن الشخصية المخترعة مجرد شبيح لم ينقطع عن دمشق منذ بداية الأحداث في سورية.
الأمر الذي لم تختلف حوله الأطراف كلها هو أن مصدر هذه المعلومات حول التقارب بين الحكومة التركية والنظام السوري هو المخابرات السورية. ولكن أحدًا من هذه الأطراف لم يقلها علنًا.
ولكن مساعد وكيل الإمام الفقيه “بشار الأسد” بق البحصة أخيرًا، أو كما يقال بق الفولة أخيرًا، واعترف بشكل غير مباشر بأنه يرغب بهذه التقارب، عندما عبّر عن أمله بأن يستطيع بوتين تغيير موقف الرئيس التركي مما يجري في سورية.
نعم في السياسة ثمة تعبير اخترعه الإمام الفقيه الأول، وبات مدرسة أو أسلوبًا في السياسة، وهذا التعبير هو “تجرع السم”، فقد أطلق مؤسس الحرب المذهبية في العالم الإسلامي الخميني هذا التعبير عندما اضطر لوقف إطلاق النار مع العراق في حرب الخليج الأولى.
يمكن لأردوغان أو غير أردوغان أن يتجرع السم، فالمعارك التي خيضت في التاريخ، وكانت نتائجها معروفة سلفًا شبه نادرة، ولم تكن إلا من أجل تسجيل موقف، كما فعل البطل الوطني يوسف العظمة عندما خرج مع قليل من الرجال إلى ميسلون، وقال عبارته المشهورة: “لن يسجل التاريخ بأن الفرنسيين دخلوا دمشق دون مقاومة”… وبناءً على هذا الأمر فإن المعركة التي تخوضها الحكومة التركية غير محسومة النتائج، ويمكن أن تؤدي إلى تجرع السم.
لقد وقفت الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب الأسد منذ بداية التظاهرات الشعبية، وإذا كان هذا الأمر قد أخفي في البداية، فهو لم يكن خفيًا على الأتراك الذين كانوا يحاورون الولايات المتحدة دون انقطاع، ودفعت تركيا أثمانًا باهظة إزاء دعم الولايات المتحدة لنظام الأسد، ثم دخلت إيران على الخط، وبعدها روسيا، وأصبحت تركيا شبه عاجزة أمام ما يجري في المنطقة.
من يتابع المواقف الأمريكية الروسية الإيرانية لابد وأن يصل إلى نتيجة واحدة وهي أن تركيا “تجرعت السم” بمعنى أنها استسلمت، وهزمت.
صحيح أن الوضع على الأرض في سورية قد ازداد فيه القتل، وساءت الظروف الإنسانية، وتكاثرت عمليات التهجير، وبالمقابل بدأ تقارب بين أخوة المنهج، وبرز مشروع الإمارة الإسلامية يتبلور أكثر، خاصة بعد أن بدأ تنظيم داعش ينكمش، ويخسر باستمرار. وهذا ما سيجلب مزيدًا من الأعداء للشعب السوري، وهذه كلها مؤشرات لصالح النظام.
ولكن عملية درع الفرات في شمال حلب تتم بنجاح، والمقاومة جنوبي حلب ما زالت متماسكة، ويمكن لها أن تستعيد زمام المبادرة بين لحظة وأخرى (بدعم تركي سعودي)، ولو كان الأمر قد استتب للنظام السوري فهل يمكن لمساعد وكيل الإمام الفقيه أن يصرح بأنه يأمل من بوتين بأن تغير حكومة العدالة والتنمية سياستها من سورية (بالطبع يقصد نظامه)؟
ألا يعني هذا أن تركيا ما زالت فاعلة في الملف السوري، وأنها إذا كانت قد فشلت بالاتفاق مع موسكو على أي من النقاط التي بحثتها معها، فإن المفاوضات لم تتوقف بعد، ولم تتجرع السم بعد؟
وهناك الملف العراقي الذي تريد الولايات المتحدة لتركيا أن تلعب فيه دورًا لصالحها، أو بمعنى آخر لصالح إيران، وهذا يعني أن تلعب تركيا دورًا ضد ما تعتبره مصالحها القومية.
ما تطلبه الولايات المتحدة الأمريكية من تركيا هو الانتحار، وأن تنفذ الحكومة التركية نفسها ما عجزت الحكومة الأمريكية عن تحقيقه عبر خمس سنوات تقريبًا، وخصوصًا في السنة والنصف الأخيرة في الحرب بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني ودعم الانقلاب العسكري ضد الحكومة.
مساعد وكيل الإمام الفقيه “بشار الأسد” يعرف أن تركيا هي العقبة الأخيرة أمامه، فهو يعرف عشق إسرائيل له، ويعرف أن هذا العشق يجعل إسرائيل تضغط على روسيا والولايات المتحدة أن يحافظا عليه. على الرغم من هذا فهو يتمنى على بوتين أن يُخرج له تركيا من المعادلة.
بمعنى آخر، إن تركيا لم تتجرع السم بعد، وما زالت تأمل بأن يكون لها دور أكبر مما تلعبه الآن، لذلك ما زالت تشكل عقبة أمام ما كان يسمى في زمن ما “النظام السوري”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث