المباركة، فكان لهم ما كان للسوريين من مظاهرات سلمية ووقوف في وجه الظلم
والاستبداد، وجنوا ما جنته أرض سوريا وسكانها من قصف ودمار وقتل، فبعد أن تآمر
الأسد الأب على قضيتهم الكبرى مع الصهاينة، أتى الابن ليكمل مسيرة الأب، ولكن
بطريقة أكثر وضوحا هذه المرة.
مهند شحادة
واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها ملف اللاجئين الفلسطينيين، إذ كانت سوريا تضم ما
يقارب 450 ألف فلسطيني موزعين على نحو 10 مخيمات من شمال البلاد إلى جنوبها، إلا أن
إمعان النظام السوري في تدمير المخيمات الفلسطينية وتهجير أهلها أودى بأكثر ملفات القضية
الفلسطينية تعقيدا، وهو الذي بقي العقبة الأكبر أمام مشاريع التسوية في المنطقة لأكثر
من نصف قرن، إلى مآلات قد تكون الأخطر، وربما تعلن نهايته عما قريب. العداء بين النظام
السوري والفلسطينيين لم يبدأ مع بداية انتفاضة الشعب السوري ربيع العام 2011، بل هو
مرتبط باللحظة الأولى لاستلام الأسد الأب مقاليد الحكم في سوريا عام 1970، وما رافقه
من رحيل منظمة التحرير إلى لبنان، ودور الأسد في شطب الوجود الفلسطيني سياسيا وعسكريا
من كامل محيط فلسطين المحتلة، إضافة للمجازر والفظائع التي ارتكبت بحق أبناء المخيمات
في لبنان.
حقائق وأرقام
وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا نحو 3042 شهيدا حتى 11/10/2015.
حيث بلغ عدد الشهداء من أبناء مخيم اليرموك والأحياء المجاورة له 1284، و129 شهيدا
في مخيم خان الشيح غرب دمشق، 174 شهيدا في مخيمات حلب شمال سوريا، 1290 شهيدا موزعين
على بقية المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا لغاية تموز من العام الحالي. في حين
بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين، حسب المجموعة، ما يقارب 990 معتقلا، بينهم 120 معتقلا
من أبناء مخيم اليرموك، 106 معتقلين من مخيمات مدينة حلب النيرب وحندرات، قضى منهم
ما يقارب 445 معتقلا تحت التعذيب، بينهم نحو 42 امرأة، وما يزال 280 فلسطينيا في عداد
المفقودين.
إحصاءات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أنوروا” تشير
إلى أن نحو 109250 فلسطيني وصلوا دول الجوار، منهم 15500 في الأردن، 51300 في لبنان، 6000 في مصر، بينما وصل أوروبا ما
يقارب 36450 فلسطينيا. فيما قضى غرقا في البحر أكثر من 50 فلسطينيا حتى آذار/مارس الماضي.
بمنع أهالي مخيم السبينة جنوب دمشق من العودة إلى منازلهم منذ حوالي 702 يوماً على
التوالي، في حين يبقى مخيم حندرات خاليا تماما من السكان منذ حوالي 903 أيام، بعد سيطرة
مجموعات المعارضة عليه، وتعرضه لقصف قوات النظام. مخيم درعا دون مياه منذ حوالي
547 يوما، وقد دُمّر حوالي 70% من مبانيه. مخيمات جرمانا والسيدة زينب والرمل والعائدين
في حمص وحماة تشهد أوضاعا هادئة نسبياً، مع استمرار الأزمات الاقتصادية فيها. اما مخيم
خان الشيح فجميع الطرقات الواصلة بينه وبين المناطق المجاورة مقطوعة باستثناء طريق
(زاكية – خان الشيح).
445 قضوا تحت التعذيب في سجون النظام
من شتات إلى آخر…
عن نهاية ملف اللاجئين الفلسطينيين، وما يعنيه ذلك سياسيا وقانونيا في ملفات القضية
الفلسطينية المعقدة والمتأزمة أكثر من وقت مضى.
السيد أيمن أبو هاشم، رئيس الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في الحكومة
السورية المؤقتة، أكد بأن “مآلات الوجود الفلسطيني في سوريا، وواقع الحال الذي
يكثف المحطات التي مرّ بها فلسطينيو سوريا خلال السنوات الأربع الأخيرة، تضعنا أمام
تصدعات عميقة وشاملة أصابت مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في بلد كانوا ينظرون إليه كوطن
ثانٍ وملاذ دافئ، بانتظار عودتهم إلى فلسطين. ومن صور ومظاهر تلك التصدعات بأبعادها
السياسية والإنسانية، ضمور يقين العيش والبقاء في ظل الاستهداف الذي تعرض له الفلسطينيون
في سوريا، وهنا سنجد صورا ومظاهر دموية وإجرامية مارسها النظام ضد الفلسطينيين بشكل
متعمد، وفي جانب منه أيضاً سلوك ثأري يتجاوز محاولات تأديب وإخضاع الأصوات الفلسطينية
المنحازة للضمير السوري الحر، إلى معاقبة الكل الفلسطيني وتصفية وجوده السياسي والإنساني”.
مضيفا: “هذا ما نستدل عليه من الحرب المفتوحة التي شنها النظام على الفلسطينيين
ودمر من خلالها أغلب المخيمات المنتشرة في سوريا، تحت غطاء الصراع مع الجيش الحر وقوات
المعارضة، وما نجم عن ذلك من نزوح ثلثي سكان تلك المخيمات إلى مناطق مختلفة في الداخل،
وكانت تلك هي مقدمة تهجير الفلسطينيين إلى ما وراء الحدود. كان ذلك يجري مترافقاً مع
عمليات اعتقال واسعة بهدف تصفية النخبة والكفاءات الشبابية في المجتمع اللاجئ. وبالطبع،
من يقوم بهذه السياسات الممنهجة لديه أهداف بعيدة لا يمكن فصلها عن موقع قضية اللاجئين
في الصراع العربي-الاسرائيلي، بل أن الحقائق الكارثية التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية
في سوريا، تخبرنا أن إسرائيل هي أكثر المستفيدين من تفكيك الأسد للوجود الفلسطيني الحيوي
في سوريا وتحت شعارات المقاومة والممانعة، وبكل عدتها الإعلامية من الأكاذيب المكشوفة.
ومن البديهي أن نظاما نكل بشعبه وارتكب أبشع المجازر بحقه، سيكون أكثر حقداً على الفلسطينيين”.
نزح ثلثا الفلسطينيين من مخيماتهم جراء قصف قوات النظام
لمنازلهم واعتقال شبابهم بهدف تصفية النخبة والكفاءات.
ما فعله الأسد بحقّهم
اعتبر السيد أكرم عطوة، وهو الباحث في الشؤون الفلسطينية وعضو لجنة إقليم
فتح في سوريا بين عامي 1970 و1973، ومسؤول ساحة حلب في الحركة بين 1980 و1982، اعتبر
بأن “الحديث عن واقع ومآلات فلسطينيي سوريا، بتداعياته السياسية والاجتماعية دون
الأخذ بعين الاعتبار جذور العلاقة التاريخية بين النظام السوري والفلسطينيين شيء
خاطئ”، إذ وبحسب وجهة نظره، فأن “ما حصل في سوريا عموما أصاب الجميع، وكان
من الطبيعي أن يصيب الفلسطينيين”، مؤكدا أن “المسألة بدأت منذ استلام هذا
النظام للحكم في سوريا والذي تم أساسا بناء على خلاف مع قيادة صلاح جديد وموقفه الداعم
للمقاومة الفلسطينية حينها في الأردن، في العام سبعين من القرن الماضي، وكان حافظ الأسد
يرفض تقديم الدعم لقواعد الثورة الفلسطينية التي تخوض معارك شرسة مع نظام الملك حسين،
في حين أرسل “جديد” أكثر من لواء وفرقة تابعة للجيش السوري لوقف المذابح
بحق الفلسطينيين ومنع الملك الأردني من تحطيم بنية المقاومة، وطلب من الأسد تغطية تلك
القوات جويا إلا أنه رفض، واستمر الخلاف إلى أن تمكن حافظ الأسد من إبعاد “جديد”
ورفاقه عن السلطة واستلام زمام الحكم في سوريا بعد الانقلاب المعروف، والذي أطلق عليه
(الحركة التصحيحية)”. مضيفا: “لم تنحصر مواقف الأسد العدائية للقضية الفلسطينية
عند حدود ما حصل في ما سمي لاحقا “أيلول الأسود” في الأردن، بل بلغت دموية
الأسد تجاه الثورة الفلسطينية ذروتها مع تدخل الجيش السوري في لبنان العام 1975، حيث
ساند الأخير حينها القوات اللبنانية “الكتائب/الأحرار”، والتي كانت تحاصر
مخيم تل الزعتر، وهو ما أدى إلى مسح المخيم عن وجه الأرض، حيث ارتكبت فيه فظائع بمعرفة
وربما إشراف القيادة في سوريا. وما تلا ذلك من محاولات الأسد لاقتحام “بيروت الغربية”،
معاقل المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، للضغط على قيادة منظمة التحرير
واحتوائها بما يمكن الأسد من استخدام الملف الفلسطيني في مساوماته الدولية والإقليمية.
واستمر الصراع حتى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، والجميع يذكر معارك طرابلس
ومن ثم الحرب القذرة التي شنها الأسد متعمدا على حركة أمل وبعض الفصائل الفلسطينية
الموالية، تحديدا “القيادة العامة وفتح الانتفاضة”، على المخيمات الفلسطينية،
لينتهي الصراع في لبنان لمصلحة الأسد وخسارة الثورة الفلسطينية لآخر ساحة تتصل جغرافيا
بفلسطين المحتلة، وهو ما أدى لاحقا لإجبار الفلسطينيين على الضياع في متاهات أوسلو
التي مازلنا كشعب فلسطيني نعاني من تداعياتها حتى اللحظة”.
عطوة وضح أنه من خلال هذه الأرضية يمكن فهم التصريحات الأولى لمسؤولي النظام
السوري تعليقا على بدايات الانتفاضة السورية عام 2011، والتي اتهموا فيها الفلسطينيين
بتحريكها، تحديدا في درعا والرمل في اللاذقية، وهو ما يثبت مدى العداء الذي يكنه هذا
النظام للفلسطينيين وقضيتهم، ويشير بطريقة أو بأخرى، إلا أن ما حدث ويحدث بحق أبناء
المخيمات الفلسطينية في سوريا، لم يكن مفاجئا أو صادما لنا على الأقل، لأننا ندرك جيدا
بأن هذا النظام الفاشي الذي ارتبطت مسألة استتباب الحكم له في سوريا بمعادلات إقليمية
دولية قذرة مبنية على ما يقدمه الأول للمجتمع الدولي من خدمات تضمن بقاءه واستمراره
في الحكم. أما شعارات “المقاومة والممانعة” التي مازال “يلوكها”
أبواق وحلفاء النظام، فقد سقطت منذ تصريحات مخلوف في شهر أيار عام 2011، والتي قال
فيها صراحة مطمئنا إسرائيل (نحن ضمانة الاستقرار)”.
تخوض معارك شرسة مع نظام الملك حسين.
مستقبل غامض
معطيات الواقع الراهن بأبعاده السياسية والعملياتية على الأرض تجعل كل الاحتمالات
بمصير الوجود الفلسطيني، بما فيها تلك الأكثر قذارة، مفتوحة على كل السيناريوهات الممكنة
أو المستحيلة.
رئيس الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين أكد أن “الفرص والآمال بإنقاذ
ما تبقى من وجود وكيان سياسي للاجئين الفلسطينيين، تبدو اليوم ضئيلة، بفعل تعقيدات
الصراع وتعدد القوى الإقليمية والدولية المشاركة المتحكمة بمساراته، وبفعل تضاعف أعداد
المهاجرين من اللاجئين الفلسطينيين بسبب واقع الحرب. كل سيؤدي ذلك عملياً إلى تفريغ
مجتمع اللجوء من كتلة بشرية كبيرة، وهناك تقديرات بأن عدد من هاجروا من اللاجئين الفلسطينيين
إلى دول الجوار ومنها إلى أوروبا، تجاوز طيلة السنوات الأربع، 150 ألف لاجئ فلسطيني،
من أصل قرابة 500 ألف لاجئ، وهذا رقم كبير بدلالاته في حال استمر الصراع في الداخل.
وبوسعنا تخيل النسبة التي تستعد للهجرة من عوائل فقدت الثقة بالبقاء وتريد أن تبحث
عن الخلاص، مع ضراوة الحرب واستمرارها على هذا النحو، وبالتالي فإن الأمل الواقعي الوحيد
في وقف استنزاف الوجود الفلسطيني في سوريا، يتمثل في رحيل النظام بأسرع وقت، لأنه سيكون
المدخل للبدء بإعادة بناء سوريا بعد تحريرها من هذا النظام المجرم، ومن كافة أنواع
التدخلات والاحتلالات التي نراها اليوم”.
أكرم عطوة اعتبر أن “مستقبل ومصير الفلسطينيين في سوريا مرتبط بمصير
الشعب السوري وثورته ضد النظام، وبالتالي ما سيحصل في سوريا مستقبلا سواء كان
إيجابيا أو سلبيا، سيكون له انعكاساته على الشعبين السوري والفلسطيني. بمعنى أنه
إذا انتقلت سوريا إلى دولة الحريات والقانون والعدالة فإن هذه المفاهيم ستخدم دون شك
القضية الفلسطينية، وتعيد بناء الحقائق التاريخية بأن الشعب السوري قدم ودفع في مسيرة
النضال الفلسطيني الكثير. وبالتالي، تحرير سوريا بالضرورة سيكون له انعكاس إيجابي على
مستقبل الوضع الفلسطيني بشكل عام”.
مما لا شك فيه أن مأساة اللاجئين في سوريا ومواقف القوى الفلسطينية المتعددة
شكلت ضربة قاصمة وغير مسبوقة للوعي الجمعي الفلسطيني، الذي صاغته عبر عقود طويلة مفاهيم
الحرية والكرامة والإباء، التي شكلت بدورها النواة الأساسية للهوية الوطنية الفلسطينية،
وأبرز معالمها صور الفدائي الفلسطيني المقاتل من أجل الحرية. بالتالي، لربما يكون أبرز
نتائج تكتيكات وأجندات النخب على اختلاف مواقعها ضمن الخارطة السياسية الفلسطينية،
يتمثل بتهشيم تلك الهوية الوطنية وتعزيز مفاهيم الشتات وترك مصير ومستقبل الفلسطينيين
معلقا على مشجب المجهول، الأمر الذي سيحتاج الفلسطينيون إلى عقود قبل أن يتكمنوا من
تجاوز آثاره وتداعياته.
مستقبل ومصير الفلسطينيين في سوريا مرتبط بمصير الشعب السوري وثورته
ضد النظام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث