صدى الشام _ ميسون شقير/
أعرف ان منحوتات أربعة وعشرين عاماً والتي احتاجت منك سفينة كاملة كي تنقلها من غرناطة إلى بيروت ثم إلى يبرود، أعرف أنها من حجر وليس للحجر قلب يعذبه، لكني أعرف أن الحجر حين يهبك نفسه كي تزيل عنه الزوائد وتحرره مرة أخرى على شكل منحوتة تعيد تمفصل الحياة فيها، سيأخذ من يديك دماً جارفاً، دماً حجرياً ناطقاً بالصمت الثرثار، وقادراً على سرقة كل لغات الأرض.
هل دفنتها جيداً هناك بجانب مشغلك الذي بنيته بعد أربعة وعشرين عاماً من المنفى الاختياري، هل دفنتها جيداً تلك المنحوتات التي زارت صالات العرض في معظم عواصم العالم والتي سكنت الدراسات النقدية العالمية، والتي لم تكف يوماً عن الإلحاح عليك برغبتها الهائلة بالعودة إلى هناك، إلى سوريا، إلى يبرودك التي كنت تعيد إنتاجها في كل حجر. تلك المنحوتات التي كانت تسمع عن بعد صوت حجارة يبرود وتعرف أن ريحاً جديدة ستأتي، وكانت تريد أن تتذوق طعم تلك الريح، فعادت تحملك معها على ظهر سفينتها، ووصلت في آخر عام 2010 والتي ذاقت بقلبها بدايات الريح وعرفت بعيونها الحجرية كيف كانت هذه الريح ستمحي الغبار عن وجه الزمن، المنحوتات التي ذاقت أيضاً طعم الخوف بكل مفاصلها، فكان صوت قلبها الخائف أعلى من صوت طائرات الموت وهي ترمي قنابلها على بعد خمسين متراً منها، وكانت تناديك بكل الشغف الذي يسكن أصابعك، والذي يسكن أصابع الحجر، كانت تناديك أن تأتي وأن تدفنها جيداً في بيرود، تدفنها جيدا بجانب أخيك الذي حمل الريح من بيت لبيت، والذي اعتقلوه مع الريح، أخيك الذي عاد بعد سبعة أشهر وقد ترك لهم في زنزانته ستين كليو غراماً من وزنه وبقعاً متراكمة من دمه، وصوتاً لم تعرفه الآدمية، صوتاً كان يخرج في نحت جسده في جلسات التعذيب كأنه صوت مبهم قادم من أول كائن وجد فوق هذه الأرض.
هل دفنتها جيداً يا عاصم الباشا، يا عاصم السوري، هل دفنتها جيداً؟ أحجار روحك تلك بكل الحركة واللغة التي كانت تأسر كل العيون التي كانت تعبرها، الحركة واللغة التي حاصرت روح الإنسان عند كل من زارها، حاصرتها حين عرتها، وحين قالت ما نخاف أن نقول، حين هزتها بزلازل الأسئلة، حين هزت هذه المنحوتات ثوابت الروح الإنسانية فينا. هي خلقت لنا منا وفينا دهشة اكتشاف أنفسنا، متعة ووجع التعرف علينا في كل هذا الزحام، الزحام الممتلئ بالعزلة إلى درجة الجنون.
لا تخف يا عاصم، ستعيدها لوحاتك التي سترسمها، والمنحوتات الجديدة التي ستنحتها، ستعيدها قصصك التي كتبتها والتي ستكتبها، ستعيدها الريح التي لم يسعها قبر أخيك الصغير، الريح التي لا تدفن تحت التراب، الريح التي لم تزل تختبئ بين البيوت وبين العيون، الريح التي تشكلت من الصرخات الأخيرة لموت أخيك تحت التعذيب.
لا تخف يا عاصم الغرناطي الأندلسي، يا عاصم السوري اليبرودي، يا عاصم الذي يخاف الطاغية من يديه، يخاف الموت من أصابعه، يخاف الأسود من كل ذاك الأخضر في عينيه، ويخاف الحجر أن يبقى ميتاً إذا لم تحفره وتحفه وتحته وتعريه وتخصبه، وتحمل به، وتولده يدك. يخاف الحجر أن يموت طويلاً إذا لم تعشقه، يخاف الحجر يا عاصم إذا أهملته أن يبقى حجراً.
ستنتصر الريح يا عاصم، الريح التي سكنت نحيب أمك المفجوع، الريح التي عاشت في الصوت الصاعد من الساحات، الريح التي تصعد من قبور الشهداء، الريح التي تشعل في العاشقة أنوثتها، الريح التي لا تنتظر أبداً عند الباب، الريح التي لا تموء وتهز ذيلها، الريح التي تقتحم كل شق أو فراغ فينا، الريح التي ستبقى تدخل وتبعثرنا، وتغيرنا، الريح التي تدور الآن بين منحوتاتك المدفونة والدفينة.
هل دفنتها جيدا يا عاصم، هل دفنتها كي لا تموت؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث