لطالما كانت أزمير مؤخراً
محطة السوريين الأخيرة في تركيا، والتي ينطلقون منها باتجاه “أوروبا
الحلم”، لكن الظروف والاتفاقات الدولية والإقليمية الجديدة بدأت تحاصرهم هناك
أيضاً، ليبدأ ربما فصل جديد من فصول معاناة السوريين التي لا تنتهي، والذي لا يعلم
أحد مستقبله أو نهايته.
لبنى سالم
أقدمت السلطات التركية
خلال الأيام القليلة الماضية، علىاعتقال ما يقارب الألف سوري، ممن كانوا يتحضرون للهجرة غير
الشرعية باتجاه الجزر اليونانية، انطلاقا من مدينة أزمير التركية ومحيطها،
واقتادتهم إلى مخيمات في الجنوب التركي.
يروي محمد عبد الكريم (25
عاماً)،لـ”صدى الشام”: “بينما كنت أجلس في حديقة مع خمسة من
رفاقي، جاءت سيارتي شرطة، طلبوا أوراقنا الثبوتية، ثم حملونا في إحدى السيارات
ونقلونا إلى أحد مراكز الشرطة. وجدنا هناك حوالي 30 سورياً، بعضهم من النساء والأطفال.
سجلوا أسماءنا، ثم أجبرونا على الركوب في باص، انطلق بنا خارج المدينة”.
ويتابع عبد الكريم:
“في منتصف الطريق، علمنا أننا متوجهين لمخيم ماردين. استغرقت الرحلة قرابة
الـ 20 ساعة، وكانت معاملة الشرطة في غاية الفظاظة”.
ألقت الشرطة التركية القبض
على مئات السوريين في أزمير، وتم ترحيلهم إلى مخيمات سيءة الخدمات في الجنوب
التركي.
أما سراب أم لطفلتين، والتي
كانت تنوي السفر قاصدة هولندا، تواصلت مع “صدى الشام” عبر الإنترنت من
داخل المخيم، لتقول: “وصلنا بعد منتصف الليل منهكين من السفر، وطفلتاي لم
يفارقهما البكاء طوال الطريق من التعب. عند باب المخيم، سجلوا قيودنا، ووزعونا في
خيام أشبه بالمهاجع، لا شيء فيها سوى بعض الفرشات المتسخة”.
وتضيف سراب: “في
الصباح الباكر استيقظت على بكاء ابنتي، تفحصتها لأفاجأ بأنها تعرضت للدغة عقرب، أسعفتها
للنقطة الطبية، وبعد طول انتظار بسبب الازدحام، تلقت مصل العلاج المطلوب”.
وتتابع: “نحن هنا
منذ أربعة أيام. الخدمات سيئة والطعام قليل، ولا أملك أي حاجيات وألبسة لأنني كنت
أنوي السفر بالبلم. نقضي طيلة النهار تحت الأشجار، فالجلوس في الخيمة مستحيل مع
درجات الحرارة المرتفعة”.
وتعقب بحسرة: “كنت
أحلم بالوصول إلى هولندا لتأمين حياة أفضل لابنتيّ بعد هروبنا من دير الزور، لأجد
نفسي في هذا المخيم اللعين. المستقبل مجهول الآن، ولا نعرف كيف ستعاملنا السلطات
التركية”.
أما همام (31 عاماً)،
فيروي: “في اليوم الثاني لإقامتنا في المخيم، قررت الهروب من هناك، قفزت من
على السور حوالي الساعة الثالثة صباحاً، لاحقني اثنين من الحرس، وألقوا القبض علي،
فقمت بدفع مئة دولار لهما لقاء تركي وشأني”. ويضيف همام: “سأعود في أقرب
فرصة لمدينة أزمير لمعاودة الكرة مجدداً والسفر لليونان”.
يصل مئات السوريين يومياً
لمدينة أزمير التركية في نية الانطلاق منها إلى الجزر اليونانية، حيث امتلأت فنادق
المدينة بالنزلاء، فيما يقضي آلاف السوريين لياليهم في المساجد والحدائق العامة.
موجة الاعتقالات الأخيرة
أدت لانطلاق حملات إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، لتقديم النصائح والإرشاد
للسوريين الراغبين بالسفر عبر أزمير، أبرزها تجنب التجمع في حي باصمنلي وحديقته
وسط المدينة، والامتناع عن النوم في حديقة مسجد الخاتونية، حيث تكثف الشرطة
التركية من حملاتها ليلاً على هذه المناطق، إضافة لتجنب حمل الحقائب والأمتعة أو
أي شيء يدل عل السفر.
ولقيت حملة الاعتقالات
الأخيرة حالة استياء من الناشطين السوريين، الذين ناشدوا الأمم المتحدة والحكومة
التركية بضرورة معاملة السوريين وفق القوانين والأعراف الدولية الخاصة باللجوء.
التطورات الأخيرة دفعت
أيضاً 11 منظمة مجتمع مدني تركية بمدينة أزمير، لمطالبة الحكومة التركية بضرورة
إيجاد حل سريع لأزمة السوريين في المدينة. وقال “جم ترزي”، رئيس جمعية
“جسر الصداقة بين الشعوب”، في بيان ألقاه أمام مسجد جوراق كابي وسط
المدينة، إن “السوريين الذين يصلون للمدينة بغرض التسلل لليونان يقيمون في
ظروف إنسانية سيئة”. وطالب المسؤولين وإدارة الطوارئ والكوارث بإيجاد حل سريع
لمشاكلهم.
يشكل الأطفال ربع السوريين
المنتشرين في شوارع أزمير، وهم يعانون من أمراض في المجاري التنفسية والإسهال
والقمل والجرب
وأضاف ترزي أن
“السوريين في المدينة يعانون من العطش والجوع والأمراض، وبحاجة لوجود دورات
للمياه وأماكن للاستحمام”. وأشار إلى أن “الأطفال يشكلون ربع السوريين
المنتشرين في شوارع المدينة، وهم يعانون من أمراض في المجاري التنفسية والإسهال
والقمل والجرب، إضافة للأمراض المزمنة المنتشرة بين كبار السن كالضغط والسكري. كما
أن هناك الكثير من المواليد الجدد الذين لم يتلقوا أي نوع من اللقاحات منذ ولادتهم.
كل هذه النتائج في أعقاب مسح أجراه 20 متطوعاً تركياً على السوريين في
المدينة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث