الرئيسية / رأي / السوري الأخير

السوري الأخير

ثائر الزعزوع

لا يكاد يمر يوم حتى ينطلق قارب جديد محملاً بثلاثين أو أربعين شاباً
سورياً، قرروا أن يغامروا بحياتهم كي ينجوا من المحرقة التي لا يبدو أنها ستنتهي
قريباً. وإذا كانت مشاهد القصف والتدمير قد صارت اعتيادية بالنسبة لمشاهدي القنوات
التلفزيونية، فإن مشاهد الزوارق المحملة بالأجساد باتت اعتيادية هي أيضاً، بل إن
أخبار الغرق التي كانت تصدمنا قبل أشهر، باتت أمراً روتينياً، فما دام ثمة زورق في
البحر متلاطم الأمواج، وثمة حمولة زائدة على ظهر ذلك الزورق، فإن احتمال غرقه غير
مستبعد، لندون ومع مرور الأيام قاتلاً آخر ينضم إلى قاتلي السوريين هو البحر
الأبيض المتوسط الداعشي الأسدي، كما كتب أحدهم غاضباً. المشهد التلفزيوني المتكرر
لشباب سوريين يرفعون إشارة النصر وهم يصلون إلى بر الأمان بات متكرراً هو الآخر،
والشهادات التي يدلي بها أولئك الناجون لم تعد تثير الاهتمام، بل قد لا يجد أحدنا
الوقت الكافي لمراقبة العيون المرهقة والخائفة، والحلوق الجافة. اعتدنا الحالة كما
اعتدنا كل شيء من قبل، صرنا نستفسر عن عدد الذين وصلوا سالمين، ونسأل أين انتهى
بهم المطاف. بعضهم يفضل ألمانيا لأنها الأسرع في لم الشمل، آخرون حطوا رحالهم في فرنسا،
والكثيرون اختارتهم السويد. بعد قليل سيجتمع شمل الأسر وستشهد المطارات عناقات
طويلة بين أب وأبنائه، وسيذوب الجميع هناك على الضفة الأخرى من المتوسط. من بقي في
الداخل يحلم بالسفر، بل هو يخطط للسفر، لكنه لا يعلم الطريقة التي ستنقله إلى
البحر، حين يصل إلى البحر سوف يكون كل شيء سهلاً، هو يغمض عينيه ويحلم أن يلحق
بالكثيرين الذين سبقوه، لم يعد لديه أصدقاء في سوريا، صار السكايب وسيلة للتخطيط
للرحلة المرتقبة، ربما قبل الرحلة ستنهمر البراميل المتفجرة على الحي وسيكون رقماً
يذكر سريعاً في نشرة الأخبار، بين شهداء سقطوا، لأنهم لم يستطيعوا السفر.

ليس ثمة تقديرات مؤكدة عن عدد السوريين الذين وصلوا إلى الضفة الأخرى من
المتوسط، لكن حلم الهجرة السوري يراود الكثيرين، ويبدو أنها واحدة من الهجرات
الكبرى التي سيذكرها التاريخ لاحقاً، لأن التاريخ مشغول حالياً بإحصاء أعداد الذين
يموتون كل يوم، فالداخل موت، والخارج حياة أخرى، أي مصير وصلنا إليه؟ هل كان على
سوريا أن تشهد هذا الموت كله كي يبقى ابن حافظ أسد جالساً على كرسيه؟ هل كان علينا
أن تنمزق ونتحول إلى مخلوقات بلا ملامح في عوالم لا تشبهنا كي يكمل العالم مسرحيته
الهزلية التي تتحدث عن حقوق الإنسان؟

يسأل سوري ما زال في الداخل سورياً فاز بحلم العمر وفر بجلده، هل أنت
سعيد؟ يحار الآخر وهو يفتش في قاموس الأشياء الصغيرة التي يحن إليها كل ساعة عن
معنى السعادة، عن معنى الحب، يتذكر بألم بيت المتنبي، ولكن الفتى العربي فيها غريب
الوجه واليد واللسان، هل يمكن أن يكون سعيداً وهو يلوذ بأي تفصيل صغير يعرفه أو
يعثر عليه كي يستذكر كل شيء؟ هنا لا مقهى يجمعنا، قال للآخر، فرد عليه، وهنا لم
يعد ثمة مقهى يجمعنا. هنا لا شوارع نعرفها، فرد الآخر، وهنا لم يعد ثمة شوارع ولا
طرقات، فإما دمار وإما حواجز. هنا نحن غرباء، فرد الآخر وهنا نحن غرباء فإما
إيرانيون وإما دواعش، وإما …. لا تكمل، قال بألم، وأضاف اركب زورقاً واعبر، هنا
على هذه الضفة سوف تكون حراً، لن يقف الشرطي بوجهك، لن تخشى رجل الأمن، لن يعتقلك
كلاب الليل لأنك تحلم، هيا… ينقطع الخط، ولا يعلم أحدهما ماذا حدث. هل نزل
الصاروخ أم البرميل، هل استل الملثم سيفه؟ هل…؟

يقول طفل صغير كان يلعب قرب بقايا بيت، غداً سأبني بيتي فوق الأنقاض،
سيكون بيتاً أجمل من بيتنا الذي دمرته الطائرات، وسوف أتزوج وأنجب أطفالاً، سأسمي
أحدهم حمزة، وأسمي الأخرى هاجر، ينهمر الصاروخ، لكن الطفل يخرج من تحت الأنقاض، ويقول
وهو يغني لن أرحل، سأظل هنا وسأبني بيتي.

وهنالك على الضفة الأخرى للبحر المتوسط ينسى طفل من أين أتى، يسأل أمه:
يا أمي من أين أتينا؟ تقول الأم: كان اسمها سوريا.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *