خضر الآغا
منذ البدايات الأولى للثورة السورية، ومع بداية تشكل
هيئات سياسية لتمثيلها، راح السوريون –أنصار الثورة ينتقدون، بلا هوادة، تلك
الهيئات بسياستها وسلوكها، وشخوصها أيضاُ، ويسخرون بأشد أنواع السخرية منهم ومن كل
تصرف يعتبرونه لا يخدم الثورة. ولم يكن التاريخ الشخصي والسياسي لبعض أعضاء تلك
الهيئات عامل غفران لهم يحميهم من النقد والسخرية، فسنوات السجن، على سبيل المثال،
التي أمضاها بعضهم في سجون النظام قبل الثورة لا تبرر لهم أي سلوك أو تصرف خارج عن
معادلات الثورة وأهدافها، بل ربما على العكس، إن سجنهم ومعاناتهم يجب أن تكون
حافزاً لهم لعدم الوقوع في أخطاء تحسب ضد الثورة لا معها.
السوريون يعرفون التعقيدات التي مرت بها الثورة على
مختلف مراحلها، ويعرفون تعقيدات تمثيلها السياسي، ويعرفون أن ليس كل ما يريدونه
يمكن تحقيقه دائماً، مع هذا لم يتوقفوا عن الانتقاد والسخرية.
هذا الأمر شديد الإيجابية، وربما يكون من النتائج
المباشرة للثورة. فلو بحثنا في أسبابه نجدها في حرمان السوريين من ممارسة النقد
والسخرية السياسية لنصف قرن مضى، أي منذ وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى
السلطة السياسية 1963، وتكرس ذلك بشكل لا عودة عنه منذ انقلاب حافظ الأسد على
رفاقه وعلى سوريا كلها 1970 حيث حكم، أولاً، الأفواه التي تتكلم، وكممها بصنوف الفروع
الأمنية، ونشر ثقافة تقديس الأشخاص ممثلة بشخصه: الحكيم، الملهم، الذي لا يأتيه
الباطل من فوق ومن تحت!
ومع أول إمكانية للتعبير الحر انفجر السوريون في وجه هذا
الحرمان وأسقطوا مفهوم القداسة الشخصية. نحن نتذكر أن أكثر من تعرض للنقد المرير
والسخرية الحادة هم رؤساء المجلس الوطني والائتلاف المتعاقبين، وباقي رؤساء
التيارات والأحزاب الأخرى، وبهذا كان يقول السوريون لهؤلاء: انتهى زمن القائد الذي
لايمكن المساس به، انتهى زمن الشخص الذي فوق الجميع. بدا أن السوريين يثأرون من
تاريخهم.
وعندما ظهرت بعض الممارسات التي رآها بعض السوريين غير
منضبطة وغير متماشية مع أفكار الثورة وأهدافها من قبل بعض الكتائب والفصائل
المسلحة، بما فيها الجيش الحر، بادرها السوريون بالنفس الانتقادي وروح السخرية
ذاتهما. نحن نعرف أن النظام السوري بوصفه نظاماً عسكرياً أمنياً كان يمنع عن
السوريين، مدحاً وذمّاً، الاقتراب مما يعتبره (المؤسسة الوطنية العليا) التي هي
الجيش والقوات المسلحة، على أنها مؤسسة أسرار وخطط وبرامج لمواجهة العدو الخارجيّ!
النظام كان يمنع حتى ذكر مفردة “الجيش السوري” إلا ضمن برامج خاصة
ومدروسة بعناية، كان الجيش يتخذ صفة القدسية الآتية من قدسية قائده الأعلى: الأسد
الأب ثم الابن.
لم يشأ السوريون، سوريو الثورة، أن يبقى مفهوم الجيش
محاطاً بهذه الهالة الغامضة والخطيرة والمتفجرة، فانفجر، أيضاً، حرمانهم التاريخي
من نقدها والسخرية منها على شكل انتقادات حادة تجاه هذه الفصائل وتجاه قادتها
وقيادييها، وكأنهم يقولون لهم: حتى وإن كنتم تقاتلون بالنيابة عنا، فإنكم لا تستطيعون
ولا يحق لكم الخروج عن غاياتنا وأهدافنا.
لم يعد أمام السوريين أي شيء خارج النقد والسخرية والهزء
والتطاول، بل وحتى الشتائم أحياناً.. إذ ليس لدى الجميع ذلك الصبر والهدوء الذي
يتطلبه النقد. يلزم أحياناً بعض الشتائم، لم لا!
اتخذ السوريون كافة وسائل وأشكال التعبير المتاحة لهم:
الفيس بوك، والتويتر، وكافة وسائل التواصل، والمقالات، والدراسات، واللافتات، والفيديوهات،
وكان التعبير الأكثر أهمية وخطورة ربما، هو المظاهرات التي خرجت في الأحياء التي
تسيطر عليها القوى المسلحة، كما حدث في حلب وريفها، وفي دمشق وريفها أيضاً، طالب
المتظاهرون خلالها الكتائب المتواجدة في المنطقة بتغيير سلوكها الذي يؤذي الناس،
وحذروها من التحول لدكتاتورية جديدة بدلاً من الدكتاتورية التي أرادت الإطاحة بها.
وفي بعض المناطق خرجت المظاهرات ضد قائد عسكري بعينه، كما حدث في الغوطة حيث تظاهر
الناس ضد زهران علوش/قائد جيش الإسلام، وطالبته بفك الحصار عن الغوطة عوضاً عن
الاستعراضات العسكرية التي وجدوا أنها مجرد عمل استعراضي لا يؤدي إلى شيء، وطالبته
بإغلاق سجونه وتحرير السجناء. وقد بث الناشطون العديد من الفيديوهات الموجهة لعلوش
وبلهجة أقرب ما تكون إلى القسوة والحزم منها إلى مجرد المطالبة… وهكذا.
بدا أن السوريين يثأرون من تاريخ سكتوا عنه طويلاً،
فأهانهم وأذلهم، فقرروا ألا يسكتوا مرة أخرى عن تاريخ في طور التشكل، لئلا يعيد
الزمن نفسه على شكل أكثر إيلاماً، حيث أنهم دفعوا ويدفعون ثمنه من دمهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث