جريدة الحياة/
منذ نحو خمسة أعوام، باتت السويد الوجهة المفضّلة للاجئين الهاربين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الباحثين عن مستقبل أفضل بعيداً من القتل اليومي في بلدانهم. وأدى تدفّقهم بأعدادٍ كبيرة إلى اضطراب نظام الهجرة السويدي، حيث أضحت فترة الانتظار للبت بطلباتهم تتراوح بين عشرة شهور إلى عام ونصف العام مع النقص الهائل بالكوادر البشرية معطوفاً على الروتين الأوروبي المعهود، ما أدى إلى تحطّم أحلام معظم اللاجئين على صخرة تعقيدات التوطين في مكان جديد ومختلف كلياً. وخلال هذه الفترة، يبقى هؤلاء في مراكز اللجوء المكتظة ويحصلون على مبلغ إعانة يساوي نحو 76 يورو شهرياً (720 كرون) أو 195 يورو في حال عدم التكفّل بتقديم وجبات الطعام. وعدا عن سيارات «فولفو» ومفروشات «إيكيا»، فإن السويد تشتهر أيضاً بارتفاع تكاليف المعيشة. وللتغلّب على هذه العقبة، وباعتبار أن فترة الانتظار طويلة والمساعدة الممنوحة من سلطات الهجرة لا تغطّي المصاريف، لاذ اللاجئون الذين لم يحصلوا على الإقامة بمَثل «الحاجة أم الاختراع» وإلى القليل من «الحذاقة الشرقية»، وأسسوا ما يمكن تسميته بـ»اقتصاد الظل» عبر أنشطة تجارية صغيرة لدعم أنفسهم مالياً. وتتنوّع تلك المشاريع المحدودة، ولكنها تتمحور حول الخدمات.
وبما أن القوانين السويدية تسمح للاجئ باستخدام رخصة القيادة (السوق) الصادرة من بلده لمدة عام، سارع كثيرون إلى استغلال ذلك والتحول إلى شركات نقل على نمط «أوبر».
ويقول السوري عدنان (41 سنة) من ريف دمشق: «اشتريت سيارة قولكسفاغن غولف مستعملة بنحو 600 يورو من الأموال التي حملتها معي خلال هجرتي. وأقودها كسيارة أجرة بأسعار متهاودة لمن يحتاج من اللاجئين، نظراً إلى صعوبات التنقّل وتعقيدات نظام المواصلات العامة مرتفعة الثمن إجمالاً». ويتقاضى عدنان نحو 42 يورو (400 كرون) عن رحلة ذهاباً وإياباً بين مدينتين يفصل بينهما 100 كيلومتر، ويمكن لأربعة أشخاص أن يتقاسموها، موضحاً أن تلك الخدمات تؤمّن له دخلاً مقبولاً يضاف إلى المعونات التي يحصل عليها، خصوصاً أن السلطات المعنية لا تعلم بما يجنيه من سيارة الأجرة، وبالتالي لا يضطر إلى دفع ضرائب.
أما الأفغاني مهدي (36 سنة) النازح من هيرات، فيعرض خدماته على من يريد السفر إلى مدن أخرى للتبضّع من المتاجر التي تبيع الحاجات التي يشتريها العربي أو مراجعة مراكز الهجرة، نظراً لبُعد المسافات كون السويد شاسعة المساحة». ويوضح أن سيارته القديمة من طراز «سكودا» تتحوّل أحياناً إلى سيارة نقل عام يستقلها عدد من الركاب في السفرة الواحدة لنقلهم كل إلى وجهته.
كذلك، ابتكر آخرون طريقة لكسب الأموال من خلال تأجير بطاقات الحافلات والقطارات الشهرية التي تشترى عادة بسعر ثابت. ويكشف السوري أحمد (32 سنة) القادم من حلب، أنه اشترى بطاقة صالحة لمدة شهرين لعدد غير محدود من الرحلات بمبلغ 68 يورو، ويؤجرها للاجئين بسعرٍ مخفض. ويستطرد: «تكلّف الرحلة ذهاباً فقط باستخدام الحافلة والقطار من مدينة فالكنبيري إلى غوتبورغ (نحو 100 كيلومتر) أكثر من 20 يورو. أعطي اللاجئ البطاقة للسفر بها في الاتجاهين بأقل من ذلك; وبذلك يكسب الجميع».
بدوره، كسب العراقي كاظم (34 سنة) على ثلاثة أضعاف سعر البطاقة خلال الشهرين الماضيين عدا عن كونه يستعملها شخصياً عند الحاجة، ما يؤكّد أنها استثمار مربح في ظل الظروف التي لا تسمح له بالعثور على مصدر رزق ثابت، فضلاً عن الأخطار التي يكتنفها العمل في شكل غير شرعي من دون عقد.
وابتكر بعضهم أسلوباً آخراً لكسب الأموال، من قبيل خدمة توصيل الطلبات. ويتحدث الإريتيري هاباتي (22 سنة) عن لاجئين كثر لا تسمح ظروفهم الصحية أو اللوجستية بشراء الأغراض أو قضاء أمورهم. وبالتالي: «أقبض 5 يورو (50 كرون) من عائلة مسنّة كي أقوم بتسوّق ما تحتاجه و20 كرون لنقل الطعام وتنظيف غرفتها وأوانيها».
ويرفض هاباتي الكلام عن تصنيف اللاجئين طبقياً، مشيراً إلى أن تلك الخدمات تتم بأجر رمزي بحيث تعتبر دعماً لمن يقدّمها ولا تشكل في الوقت عينه عبئاً على من يدفع لتحصيلها.
من جهته، يعتبر العراقي قيس (24 سنة) أن «للضرورة أحكاماً»، وأنه بحكم كونه حلاّقاً، فإنه يقص شعر اللاجئين في غرف أو حمامات المركز حيث يقيمون في مقابل مبلغ لا يتجاوز ربع ما سيدفعونه في أي محل حلاقة آخر.
ومع عدم قانونية تلك الوسائل بالمطلق، فإن السلطات السويدية تبدو وكأنها تتجاهل الموضوع وتغض النظر عنه لعلمها أن ليس في إمكانها أن تغيّر من الواقع، أو أنها تفضّل عدم الاصطدام باللاجئين وفتح ملف زيادة المعونات الشهرية.
ولعلّ التأخير الكبير في منح تصاريح الإقامة، شرّع الباب لمثل هذه الظاهرة التي قد تنتهي إلى سوق ســـوداء منظّمة في بلد يخشى الفشل في تحدي دمج مئات آلاف المهاجرين الذين دخلوه منذ عام 2011.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث