د.بشار أحمد
تعد
معركة تحرير درعا، والتي أطلق عليها اسم “عاصفة الجنوب”، واحدة من أهم
المعارك التي يخوضها الثوّار ضدّ قوّات النظام في الآونة الأخيرة. حيث تهدف هذه
المعركة، التي يشارك فيها 51 فصيلاً من مختلف الفصائل الثوريّة السوريّة، إلى
تحرير ما تبقّى من درعا المدينة التي تحتوي على المراكز الأساسيّة لمؤسسات الدولة الأمنيّة
والخدميّة والإداريّة، بما فيها المربّع الأمني الذي يضم أربعة أحياء، هي حي
الصحاري وحي المطار وحي شمال الخط وحي المحطّة المركزي الذي يضم المشفى الوطني، أحد
حصون قوّات الأسد. إلى جانب فرعي الأمن العسكري والسياسي ومبنى الحزب، واللواء 132
مدرعات. إذ تأتي هذه المعركة تمهيداً لتحرير ما تبقّى من محافظة درعا من قوات
النظام التي سينحصر وجودها، في حال نجاح معركة تحرير درعا المدينة، على جبهتين
اثنتين فقط، هما جبهتا إزرع والصنمين، واللتان تشكّلان بوّابة النظام وخط دفاعه
الأوّل عن العاصمة دمشق.
فمع
انطلاق هذه المعركة دار الكثير من الحديث حول أهميّة هذه المعركة ودورها في رسم
خريطة القوى والنفوذ في المنطقة الجنوبيّة بأكملها، حيث يبني الثوار على هذه
المعركة الكثير من التصوّرات حول مستقبل النظام ومآلاته، بعد الهزائم الكبيرة التي
تعرّض لها في الآونة الأخيرة، والتي جعلته يعيش أسوأ أيّامه.
تعد
محافظة درعا، وبسبب موقعها الجغرافي المميز، وبسبب احتوائها على أكثر من ربع قوّات
جيش النظام وتشكيلاته، منطقة استراتيجية ومهمّة للنظام وللثوار على حدٍّ سواء. حيث
تكتسب المعركة التي أطلقها للثوار لتحرير درعا المدينة على أهميّتين رئيسيّتين:
فهي من
ناحية تكتسب أهميّة جغرافيّة تنبع من أهميّة الموقع الجغرافي لمدينة درعا وتأثيرها
على بقيّة الجبهات القريبة والملاصقة لها. فموقع محافظة درعا القريب والملاصق
للعاصمة دمشق، يعطي لهذه المعركة أهميّة خاصّة في الحسابات التكتيكيّة القصيرة
الأجل، وحتى في الحسابات الاستراتيجيّة المتوسطة الأجل (في حال امتدّت الثورة
لسنوات أخرى، كما تشير بعض الدراسات الغربيّة).
فتحرير
درعا بشكلٍ كامل يعني، بشكلٍ أو بآخر، انتقال عمليّات التحرير إلى مدينة السويداء لتحرير
القطع العسكريّة فيها، وخاصّةً تحرير مطاري الثعلة وبلّي، اللذين يكتسبان أهميّة
كبيرة للنظام في الجنوب السوري. كما أنّ تحرير درعا سينعكس بشكلٍ مباشر على تحرير
ما تبقّى من محافظة القنيطرة شبه المحررة، والتي تدور في رحابها معركة أطلق عليها
اسم (نصرة لحرائرنا)، تهدف إلى تحرير ما تبقّى من مدينة القنيطرة المحاذية للعاصمة
من الجهة الجنوبيّة الغربيّة. كما أنّ عمليّات التحرير هذه ستترك تأثيرها على معركة
كسر الحصار عن الغوطة الغربيّة (داريا والمعضمية). وبالتالي ستقود هذه العمليات إلى
انتقال المعارك إلى المناطق الجنوبيّة من العاصمة دمشق، والتي تعد أكبر معاقل للميليشيّات
الشيعيّة المساندة للنظام من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وغيرها. وهو ما
سيزيد من عمليّات خنق النظام في العاصمة دمشق، تمهيداً للمعركة الكبرى في دمشق والتي
ستكون أم المعارك (طبعاً مع الأخذ بعين الإعتبار العامل الزمني لتحقيق ذلك، والذي
قد يطول أو يقصر تبعاً للعديد من المعطيات
والتطوّرات على الأرض).
ومن
ناحية أخرى تكتسب معركة درعا أهميّة عسكريّة، حيث تتأتى هذه الأهميّة في المقام الأوّل
من حجم القطع العسكريّة المتمركزة في المنطقة، والتي تعد ركيزة أساسيّة من ركائز
جيش النظام. حيث تحتضن محافظة درعا لوحدها فيلقا كاملا، وهو الفيلق الأول، من أصل
ثلاثة فيالق يتكوّن منها جيش النظام. ويضم هذا الفيلق أربع فرق عسكريّة، وهي الفرقة
الثالثة والفرقة الخامسة والفرقة التاسعة والفرقة الخامسة عشرة قوّات خاصة. وبالتالي
فإنّ تحرير درعا من يد النظام يعني سقوط أوّل فيالق
النظام بيد الثوار بشكلٍ كامل، وهوما يعني بشكلٍ أو بآخر، انتقال عمليّات التحرير
على المستوى العسكري من الكتائب والألوية إلى الفرق والفيالق. وهو تطوّر
مهم وكبير يدلل بشكلٍ أو بآخر، على انهيار جيش النظام وبوتيرة متسارعة قبل انهياره
التام.
ومن هنا يمكن القول بأنّ لمعركة الجنوب بعدين أساسيين، يتصل البعد
الأوّل بصورة مباشرة بمجمل المعارك الجارية على كل الأراضي السورية، كون السيطرة
الكاملة على درعا تعني الكثير في معادلة السيطرة على المنطقة الجنوبيّة، والتي
ستترك تأثيرها المباشر على سير كل المعارك وفي كل المدن السوريّة. في حين يتصل
البعد الثاني بانعكاسات هذه المعركة على
لاعبين إقليميين في الجوار السوري، يراقبون عن كثب ما يجري من معارك في المنطقة الجنوبيّة.وهذا ما يدفع للقول أنّ أبعاد
معركة درعا في الميزان الجيوسياسي السوري تتخطّى التأثير الضيق لمحافظة درعا نفسها،
لتمتد لتشمل رقع جغرافيّة كبيرة من الجنوب السوري، بدءاً بدرعا ومروراً بالسويداء والقنيطرة
وانتهاءً بدمشق وريفها. ومنها إلى رقعة جغرافيّة إقليميّة تمتد لتشمل العديد من
دول الشرق الأوسط، بفعل التدخّلات الكبيرة والحسابات الاستراتيجيّة التي توضع
لمستقبل سورية والمنطقة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث