الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / من الخياطة إلى سوق الخضرة، النجاة عبر النجاح

من الخياطة إلى سوق الخضرة، النجاة عبر النجاح

طريف العتيق

مواطن سوري يستبدل الخياطة ببيع الخضروات
ويحقق أرباحا كبيرة، بعد أن غادر معرة النعمان تحت ضغط القصف إلى مدينة حماة

يعجّ محله الجديد بجميع أنواع الخضار الطازجة،
وبالمشترين الذين يقصدونه لجودة بضاعته. يقف أبو عمر أمام سلال الخضار بفخرٍ بما
استطاع تحقيقه خلال فترةٍ قياسيّة وجيزة نظراً للصعوبات الكثيرة التي مرّ بها،
ابتداء من خسارته لعمله ومنزله، ومن ثم نزوحه وعائلته إلى حماة. باتت قصّة الخياط
أبو عمر مضرب مثلٍ في السوق على المثابرة والإرادة
.

اشتهرُ أبو عمر كواحدٍ من أمهر خياطي معرّة النعمان قبل
انطلاق الثورة. فبفضل خبرته وإتقانه، تمكّن تدريجياً من السوق ليشتري محلاً خاصاً
ثم منزلًا تزوّج به بعد ذلك مُعتمداً على دخله. كان عمله وسمعته تفتحان له أبواباً
جديدة، حتى حدث ما لم يكن يتوقعه. فبعد سيطرة الجيش الحرّ أواخر عام
2012 على معرّة النعمان، شنّت قوات
الأسد هجوماً انتقامياً على المدنيين مستخدمة سلاح الجوّ، ليفقد أبو عمر محلّه
ومنزلّه، وينجو مع عائلته من موت كاد أن يختطفهم
.

وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد
أعلنت آذار الماضي أن عدد النازحين السوريين داخل البلاد قد بلغ نحو
7 ملايين نازح، وأن هذا العدد فاق
توقعات المفوضية العام الماضي
.حيث أن قصف القوات النظامية وتدهور الأوضاع الناتج عنه، يدفع
المدنيين إلى النزوح باتجاه المناطق الأكثر أماناً، فضلاً عن نزوح ملايينٍ أخرى
إلى الدول المجاورة
.

يقول أبو عمر: نزحتُ مع عائلتي إلى حماة، واستأجرت بما تبقى معي من مال غرفةً واحدة.
جلستُ محبطاً تماماً من خسارتي لكل ما جنيته وبنيته خلال عشر سنوات
“. “لم يكن أحد يعرفني في حماة، خسرت اسمي في السوق. ومع غلاء المعيشة كان سوق
الخياطة قد تراجع
. يضيف أبو عمر: صفر، ولا شيء، واصفًا حاله السيئة آنذاك.

بمساعدة أهل الخير اشترى أبو عمر سحارتي خضرة وجلس
يبيعها أمام أحد مساجد حماة، غصّةٌ في حلقه تكابر دمعةً تكاد تنحدر من عينيه وهو
يتذكر أيامه الأولى، فمن خياط معروف يتفاخر الناس بثيابهم التي حاكوها عنده إلى
بائع خضار على الرصيف، يسعى لأن يربح مئة أو مئتي ليرة ليدبر معيشة أبنائه
.

كان الناس يشترون مني جبران خاطر يقول أبو عمر. إضافةً لحرصه على اختيار بضاعةً ممتازة،
الأمر الذي تعلّمه من عمله كخياط سابقاً، حيث الجودة
تربي الزبائن، على حدّ تعبيره.

من مرابحه البسيطة كلّ يوم، كان يصرف على عائلته ويحاول
تنويع أصناف الخضار التي يبيعها. وما هي إلا أشهر حتى تمكّن من استئجار محل صغير
بجوار الجامع الذي كان يبيع أمامه، وبدأت إرادته تزداد قوّة عندما بدأ يلاحظ وضعه
وهو يتحسن بشكل تدريجي. وبحرصه على البضائع ذات الجودة، حقق أبو عمر مرابح عالية
.

انتقلنا إلى منزل بعدّة غرف، وعاد
الأولاد إلى المدرسة، وبدأت حياتنا تتحسن بشكل بطيء
، يقول بفخر.

وتشهد مستويات المعيشة في سوريا تدهوراً مستمراً منذ
أربع سنوات، حيث أشارت عدّة تقارير اقتصادية مؤخراً إلى حاجة الأسرة السوريّة من
90 إلى 140 ألف ليرة سورية كمصروف شهريّ، أي ما يقارب 400500 دولار أمريكي، وهي ذات القيمة التي كانت تتراوح حولها الرواتب الحكوميّة (2030 ألف ليرة سورية). إلا أن انخفاض سعر الليرة أمام الدولار وثبات الأجور، سبّب أزمة اقتصادية
غير مسبوقة في البلاد. حيث أفاد تقرير نشرته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا
(اسكوا)مؤخراً، أن 90% من السوريين
سوف يعيشون تحت خط الفقر في حال استمرار
الأزمة في عام 2015. كما أشارت إحصائيات الهيئة السورية لشؤون الأسرة
والسكان
، التابعة للأسد أن نسبة البطالة
بين الشباب طالت 60
70% منهم.

في أشهر شوارع حماة اليوم، يملك
أبو عمر محلاً لبيع الخضار، إضافةً إلى
بسطتين في شارعين إضافيين. ويعجّ محلّه بالناس منفرداً بأفضل أنواع الخضار في
السوق. يقول أبو عمر:
تجاوز دخلي الحالي ما كنت أعمل به كخياط في
المعرّة. وصار لي اسمي بين تجّار سوق الهال، فأنا أطلب أفضل البضاعة وبكميات كبيرة.
واشتريت أيضاً سيارة لأتسوق الخضار بنفسي، حتى أن بعض الخياطين يعرضون عليّ مؤخراً
أن أشاركهم بمشغل أو ما شابه إلا أنني رفضت. أحببت هذه المهنة الجديدة والحمد لله؛
الله غامرنا بفضله
“.

رغم التحديات الأمنية وما تفرزه
الحرب الدائرة على الوضع الاقتصادي والمعيشي، إلا أن إرادة البعض واستسهالهم البدء
من جديد مكنّهم من تحقيق هامش حياة مريح. لعل ذلك الأمر يشكل حافزاً يدفع الآخرين إلى
تجاوز الظروف وعدم انتظار المستقبل
.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *