ثائر الزعزوع
حتى على هذه
اختلفنا، شيء مضحك حقاً. فقد أقرت الولايات المتحدة الأسبوع الفائت، قانوناً يتيح
للمثليين جنسياً حق الزواج، ولم تمر ساعة على ذلك القرار حتى بدأت حرب جديدة بين
السوريين. هذه المرة ليست حرباً قومية بين الكرد والعرب ولا حرباً طائفية بين
السنة والعلويين؛ البعض ببساطة قرر أن ينتقد هذا القرار، والبعض الآخر قرر أن
يناصر القرار. وضعوا سوريا خلف ظهورهم لبعض الوقت وبدأوا حربهم، شتائم وسخرية
وتعليقات. والحقيقة أن الائتلاف الوطني هو الوحيد ربما الذي لم يدل بدلوه في هذا
الحدث الجلل الذي ضرب الصديقة أمريكا. خطر في بالي وأنا أتابع بحذر تلك الحرب
السورية الشعواء، أن أسأل هذا السؤال: ولكن نحن ما علاقتنا؟ حقاً، ما الذي يهمنا إن
صدر هذا القرار أو لم يصدر؟ وكيف ستؤثر علينا حرية المجتمع الأميركي أو انحلاله
الأخلاقي؟ ليس مطلوباً طبعاً أن نتفق في آرائنا، وليس مطلوباً أن نتشابه في ردود
أفعالنا، لكن السؤال هو ما علاقتنا نحن أصلاً؟ ثم هل يعلم المتحاربون السوريون أن
نصف دول أوروبا قد أقرت هذا القانون منذ سنوات؟ ولو حاول أحد وبحيادية، رصد
تعليقات السوريين على القرار ثم حملتهم اللاحقة بأن استبدلوا صورهم الشخصية على
موقع فيس بوك بعلم الثورة رداً على قيام البعض بوضع قوس قزح، لظن المراقب أن
القرار اتخذ في سوريا مثلاً، وأن ردود أفعالهم هي جزء من ثورتهم ضد النظام وداعش
وسواها من التنظيمات والميلشيات والعصابات التي بات من الصعب إحصاؤها أو معرفة
أعدادها، والأهم تبعيتها ومشاريعها، والتي تشكل بدورها قوس قزح يغطي سوريا بأكملها
بالدمار والخراب، وهي تلوح براياتها المتعددة وتعدنا كل يوم بمزيد من الخراب
والتشظي. هل راقبتم المشهد السوري مؤخراً؟ طبعاً وفي ضوء ازدحام جداول أعمالكم
بالدراما الرمضانية وانشغالكم بقرار المثلية الجنسية، فإن المشهد السوري يمكنه أن
يصبح ثانوياً لفترة. لا ضير، إذ ما زال الطريق طويلاً، هذا لا يهم، لكن ما يهمنا
من كل هذا هو سرعتنا في الاختلاف حتى فيما لا يعنينا. وهو ليس ذلك الاختلاف الذي
لا يفسد للود قضية، بل هو الاختلاف الحاد الذي قد يتطور شيئاً فشيئاً ليتحول إلى
خلاف، ومن ثم حرب. ولهذا فإن الأمر يبدو مقلقاً نوعاً ما، لكنه بالمقابل يبدو
واعداً ومبشراً، لأن الشعب الذي حاولت عصابة الأسد على مدى خمسين عاماً جعله
متشابهاً في كل شيء، وتدجينه كي يبقى ضمن الحظيرة نفسها، هو الآن شعب يختلف على كل
شيء ويناقش كل شيء، ويجادل في كل شيء، لا يقبل أبداً الصوت الواحد. وهو قادر أيضاً
على رفع صوته عالياً ليرفض ويحتج ويعترض، وليس مستعداً ليقبل بالمسلمات. هذا شعب
مزق صورة الحاكم ووطأها بقدميه، وهو يقوم اليوم بتطوير مهاراته في الجدال المستمر.
وإن لم يجد موضوعاً للجدال، فلا ضير، فليكن قانون المثلية الجنسية موضوعاً ولنختلف
عليه. وبينما يعاد إنتاج الديكتاتورية بأبشع صورها في دول أخرى، ويعود الحاكم
ليصير إلهاً يسجد الآخرون له، يرفض السوريون كل شيء، وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن
ينفض ما تبقى من السوريين عار العبودية الذي ما زال يكبلهم كي يختلفوا على مستقبل
سوريا… ساعتها سيكون لذلك الاختلاف معنى. أما موضوع قانون زواج المثليين في
الولايات المتحدة الأميركية، فأرجو أن تسمحوا لي؛ كان الأمر برمته مضيعة للوقت.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث