الرئيسية / رأي / الممانعة الأمريكية للمنطقة الآمنة

الممانعة الأمريكية للمنطقة الآمنة

عبد
القادر عبد اللي

يبدو
أن الدبلوماسيين يستمتعون باللعب بالكلمات والألفاظ.

عندما
صرح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو:””توصلنا مع الولايات المتحدة
إلى اتفاق مبدئي حول حماية مقاتلي المعارضة السورية الخاضعين لبرنامج
التدريب والتسليح، ودعمهم من الجو” اعتبر الجميع أن هذه العبارة تعني إنشاء منطقة
آمنة. فماذا تعني الحماية الجوية غير هذا؟

ولكن
الولايات المتحدة سرعان ما صرحت: “لم نتوصل بعد مع تركيا إلى اتفاق نهائيبعد، حول حماية مقاتلي المعارضة السورية الخاضعين لبرنامج التدريب والتسليح وتأمين
الحماية لهم جوا. والمباحثات في هذا الموضوع مازالت مستمرة”.

نعم،
التصريحان متطابقان، ولكن كل طرف يتلاعب بالألفاظ بطريقته. أحدهما يقول:
“توصلنا إلى اتفاق مبدئي“، ويرد عليه الآخر: “لم نتوصل إلى
اتفاق نهائي“… والمبدئي غير النهائي…

بعد
التقارب بين السعودية وتركيا، تغيرت المعطيات السياسية كلها، وتشكل الحلف القطري
السعودي التركي. وظهر تأثير هذا التحالف، من خلال اللهجة المسعورة التي بات
يستخدمها أتباع الولي الفقيه وموظفيهم داخل النظام السوري وخارجه، وخاصة في لبنان.

من
جهة أخرى، تصدر يومياً تأكيدات على عاصفة حزم في سورية، على غرار تلك التي في
اليمن.

على
الجبهة التركية، لا أحد يتحدث عن “حزم”. وحتى النفي الرسمي يصدر يومياً
في هذا الخصوص. وخاصة أن الانتخابات على الأبواب، ويمكن لأي تصريح أن يؤثر بقوة
على مزاج الناخب التركي. ولكن، ألا تعتبر حماية المقاتلين المتدربين في تركيا من
الجو حزماً؟

المصادر
الرسمية في تركيا والولايات المتحدة تتحدث عن خلافات تقنية في الموضوع. ما هي هذه
الخلافات التقنية؟

الولايات
المتحدة تريد عملاً ملموساً ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية، وتخشى من
سقوط النظام السوري. وهذا ما يُسرّب من الاتصالات الجارية بين الطرفين التركي
والأمريكي.

لم
يعد خافياً أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على الابتعاد عن الصراع المباشر في
المنطقة. وقد رأينا أولى ثمار هذه السياسة الجديدة في اليمن، ويمكن أن نرى مثيلاً
لها في سورية أيضاً. ولكن السياسة التي يمارسها اللاعبون الإقليميون الجدد ستبقى
تحت إشرافها، ولن تسمح لها بأن تتعارض مع سياسيتها الاستراتيجية. فهذه السياسة
تفيد الولايات المتحدة على أكثر من صعيد: الأول مادي، فلم تعد مضطرة لسحب جيوشها
وترساناتها وخوض المعارك المكلفة لها بشكل كبير. ولتخوضها الدول الإقليمية بجنودها
وأموالها وأسلحتها. وعلى الصعيد الاقتصادي أيضاً، فإن هذه السياسة تؤدي إلى زيادة
كبرى في مبيعات الأسلحة، لأن هذه الدول ستضطر للاعتماد على نفسها في حماية أمنها،
وبالتالي شراء مزيد من الأسلحة الأمريكية.

الصعيد
الآخر سياسي، يجعل الولايات المتحدة بعيدة عن الانتقادات السياسية العالمية
والضغوط، كما يبعدها عن تحمّل تبعات ما سيجري في المنطقة بعد تدخلها كما جرى في
العراق وليبيا.

أي
أن العملية مربحة للولايات المتحدة الأمريكية على أكثر من صعيد…

عندما
تربط الولايات المتحدة موافقتها من إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري بالنتائج
الملموسة على الأرض، هي تعرف أن بعض الفصائل ستقدم رسائل سيئة، وتعرف أنها ستستخدم
هذه الرسائل ذريعة من أجل تأخير المنطقة الآمنة…

المنطقة
الآمنة تعني نهاية نظام الولي الفقيه في سورية. ونهاية هذا النظام في سورية تعني
نهايته في لبنان… والانحسار دائماً يبدأ من نقطة ما. ولكن هل تريد الولايات
المتحدة الأمريكية لنظام “محور الشر الذي لا شر منه عليها” أن ينتهي؟
هذا مستحيل…

ولكن
المقاتلين على الأرض، والتحالف السعودي القطري التركي في حال ضغطوا جيداً، يمكن أن
يفرضوا حلهم أو يفرضوا حلاً قريباً من الحل الذي يريدون. وهو شبه حسم عسكري، يؤدي
إلى مفاوضات على طريقة خروج النظام…

لهذا
فإن المنطقة الآمنة مرتبطة بعوامل كثيرة. وهذه العوامل داخلية وخارجية، ولها شروط
لكي تتحقق. وإذا لم تتحقق هذه الشروط فإنه ليس من السهل تحقيقها…

نعم،
التحالف السعودي القطري التركي بات أقوى مما كان عليه، وخاصة في حال خروج حزب
العدالة والتنمية بانتصار كبير في الانتخابات العامة الحالية، ويمكنه أن يقنع
الولايات المتحدة بأن تتخلى جزئياً عن الأسد ممثل الولي الفقيه في سورية… ولكن
هذا في حال أنجزت المعارضة المسلحة على الأرض بعض الإنجازات التي تعطي صورة
جيدة…

وهكذا
فإن المنطقة الآمنة قادمة… ولكن على مراحل، وفي خطوات مدروسة… ومشهد بعض
اللاجئين يعودون إلى مدنهم في الشمال لن يكون مستغرباً في القريب العاجل…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *