الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / انقطاع الكهرباء في مناطق النظام معاناة للسكان واستثمارات جديدة للمتنفذين  
خلل الكهرباء في سورية/ أنترنت

انقطاع الكهرباء في مناطق النظام معاناة للسكان واستثمارات جديدة للمتنفذين  

صدى الشام _عبدالله أسعد/

يمكننا أن نطلق على معظم المدن السورية بأنها باتت مناطق مظلمة، نتيجة الانقطاعات الطويلة في الكهرباء، فحالياً تصل التغذية الكهربائية، بأفضل حالاتها، إلى ثلاث ساعات تغذية مقابل ثلاث أخرى انقطاع، وهذا ما ينطبق على أغلب مناطق العاصمة دمشق، باستثناء بعض الأماكن ذات الطبيعة الخاصة مثل السفارات والمشافي وغيرها. أما في المحافظات الأخرى، فالوضع أكثر سوءاً، ففي ريف دمشق تصل انقطاعات الكهرباء لنحو 18 ساعة يومياً، أما في حلب فالكهرباء انقطعت ولا تزال مقطوعة منذ 3 أعوام متتالية، إلا بعض المناطق، وتعتمد المحافظة على تجارة الأمبيرات.

دخلت الكهرباء إلى سوريا في عام 1903، وذلك عن طريقة مولدة كهرباء أهداها الإمبراطور الألماني غليوم للوالي العثماني حين زار دمشق، حيث تم وضعها في ساحة المرجة. وعلى إثرها انطلقت الشركات الخاصة بتقديم خدمات توليد الكهرباء عبر مجموعات توليد صغيرة، واستمر الوضع على حاله حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي، حيث تم إنشاء محطتي توليد في الهامة وقطينة، وتشكيل هيئة عامة للكهرباء تابعة للدولة. وفي 1970، تطورت الشبكة الكهربائية، وتم بناء عدة محطات توليد تعتمد على الغاز والماء.

وتصل نسبة الذين ينعمون بالكهرباء إلى 99.5%، “طبعاً ليس الآن”، ولكن خلال عام 2013، وفق دراسة أكدت ذلك. وكانت حصة الفرد من الكهرباء نحو ألفي كيلو واط سنوياً، ومعظم الكهرباء المولدة حالياً تعتمد على مصادر تقليدية أي على الوقود الأحفوري، من فيول وغاز، بالإضافة إلى الطاقة الكهرومائية.

أزمة قبل الأزمة الحالية

يمكننا القول بأن الكهرباء في سوريا كانت تشكل أزمة حتى قبل الثورة، فقد كانت الحكومات المتعاقبة تشكو من ارتفاع فاتورة الدعم المقدمة لتوليد الكهرباء. ورغم رفع سعر الكهرباء أكثر من مرة، إلا أنها إلى الآن لا تزال تشكو من هذا الأمر، وخاصة بعد أن خرجت معظم حقول النفط السورية عن الخدمة نتيجة الحرب، مما رفع تكلفة استيراد الفيول لتشغيل محطات الكهرباء. وبحسب تصريحات حكومية، تبلغ كلفة استيراد الوقود لتشغيل الكهرباء حوالي 1.5 مليار ليرة يومياً، ويبلغ سعر طن الفيول الواحد حالياً نحو 400 دولار، مع الإشارة إلى أن استيرادها بات صعباً بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على الاقتصاد السوري.

طاقات هائلة غير مستغلة

على الرغم من أن سوريا تتمتع بقدرات طبيعية هائلة في توليد الطاقة المتجددة، إلا أنها لم تقم على استثمارها، لارتفاع تكاليفها، وهي تحتاج لاستثمارات مشتركة مع القطاع الخاص، الذي لم يتجرأ إلى الآن على الخوض بهذا المجال، رغم صدور قوانين تشجيعية تسمح له بتوليد الكهرباء عبر الطاقة المتجددة وبيعها لوزارة الكهرباء. وحالياً نجد أن وزارة الكهرباء باتت تعقد الكثير من ورشات العمل وتفند دراسات جدوى حول إطلاق مشاريع لتوليد الكهرباء بالطاقة المتجددة، حيث بدأت حالياً بوضع لواقط خاصة لتوليد الكهرباء على أسطح المباني الحكومية، ومؤخرا ستعمل على وضع هذه اللواقط على 300 مدرسة في سوريا لتوليد الكهرباء من الأشعة الشمسية، وتعتبر هذه خطوة متأخرة كثيراً وفي ظروف غير مواتية أبداً، حيث سبقتها العديد من الشركات الخاصة، منها شركات الخليوي التي اعتمدت على الطاقة الشمسية لتغذية أبراج التغطية الخلوية، بالإضافة إلى بعض المصارف التي غذت صرافاتها عبر هذه التقنية وذلك كحل بديل عن تغذية الكهرباء “التعيسة” من قبل وزارة الكهرباء.

المؤشرات الجغرافية والطبيعية تؤكد أن سوريا تملك مخزناً كبيراً من الطاقة البديلة يتضمن أكثر من 40% من مساحة البلد، والتي تتجاوز فيها نسبة السطوع الشمسي 4 كيلو واط م2، وأن معدّل السطوع الشمسي السنوي هو الأعلى عالمياً ويتجاوز 312 يوماً سنوياً، حيث تعتبر الطاقة الشمسية من أهم مصادر الطاقة المتجددة بحيث تكفي لإنتاج كمية من الطاقة الكهربائية تغطي الطلب المخطط على الطاقة لمدة 100 عام، بالإضافة إلى الطاقة الريحية والتي تتوزع في الكثير من المناطق السورية.

أضرار ضخمة

الحرب في سوريا لم تبقِ قطاعا إلا وطالته بخسائر فادحة، فقد تضمنت أضرار الكهرباء نتيجة الحرب نحو 96 محولة استطاعة خرجت عن الخدمة من أن أصل 900 محولة، في حين بلغ عدد الخطوط الخارجة عن الخدمة 176 خطاً، من إجمالي عدد الخطوط المركبة، والبالغة 666 خطاً، بينما كان نصيب المباني والمنشآت التابعة للمؤسسة من الضرر 30 مبنى بشكل كلي، ونحو 107 مبنى بشكل جزئي، إضافة إلى وجود 118 آلية تابعة للمؤسسة، تعرضت إما للضرر أو السرقة، كما أن هناك 68 خطاً لنقل الكهرباء خارج الخدمة حتى 2013، نتيجة الاعتداءات المتكررة على هذه الخطوط. وتبلغ الخسائر اليومية لقطاع الكهرباء بين 100 و150 مليون ليرة سورية، ولا يمر أسبوع على الأقل إلا ويتعرض خط غاز أو نفط إلى اعتداء مما يرفع من ساعات التقنين الكهربائي لحدود غير معقولة تصل إلى ساعة تغذية أو ساعتين في اليوم لبعض المناطق. وبحسب الإحصاءات الرسمية بلغت خسائر القطاع الكهربائي نحو 400 مليار ليرة كأضرار مباشرة، في حين بلغت الأضرار غير المباشرة نحو 320 مليار ليرة.

تقدّر الخسائر اليومية لقطاع الكهرباء بين 100 و150 مليون ليرة سورية. وبحسب الإحصاءات الرسمية بلغت خسائر القطاع الكهربائي نحو 400 مليار ليرة كأضرار مباشرة، في حين بلغت الأضرار غير المباشرة نحو 320 مليار ليرة

خلل اقتصادي

الانقطاع الطويل لساعات الكهرباء في سوريا أدى إلى خلل اقتصادي كبير، فارتفعت تكاليف الإنتاج بالنسبة للقطاع الصناعي الذي اعتمد على تشغيل المعامل على المولدات، وأدى إلى فوات إنتاج بالنسبة للشركات الصناعية تقدر قيمته بمليارات الليرات سنوياً، عدا عن الأضرار التي طالت القطاع الزراعي بشقه الحيواني، والذي يعتمد على الكهرباء بالنسبة للدواجن، بالإضافة إلى الخسائر الهائلة التي طالت محلات بيع المواد الغذائية، من لحوم وفروج وألبان وأجبان، والذين أجبروا أن يجعلوا من المولدات الكهربائية جزءاً لا يتجزأ من عملهم اليومي ويدفعوا فاتورة أخرى إلى جانب فاتورة الكهرباء التي لا تزال مرتفعة الثمن بالرغم من الانخفاض الحاد بساعات التغذية الكهربائية.

مشكلات مزمنة

باحث في شؤون الطاقة، طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد في تصريح خاص لـ”صدى الشام”، أن “المشكلات المزمنة في القطاع الكهربائي السوري تتمثل قبل الثورة بوجود هدر كبير في استهلاك الطاقة الكهربائية، فمعظم الأسر كانت سابقاً ولا تزال حالياً، تعتمد على الطاقة الكهربائية في طهي الطعام وتسخين المياه والتدفئة، وهذا من شأنه رفع الأحمال على محطات التوليد وحدوث آلاف الأعطال بشكل دوري، وذلك نتيجة غياب الدعم الحكومي الصحيح لهذه الأسر التي اضطرت لاستخدام الكهرباء في التدفئة مثلاً لارتفاع أسعار المازوت، والتي استخدمت الكهرباء في الطهي لارتفاع أسعار الغاز المنزلي. أي أن الحكومة السورية رفعت الدعم عن المشتقات النفطية لتقليل التكاليف عليها، ولكنها ستدفعه من جانب أخر. بالإضافة إلى أن الشبكة السورية تعاني من فاقد كهربائي كبير يصل إلى أكثر من 30% عدا عن التعديات على شبكة الكهرباء”.

باحث اقتصادي: إنهاء تقنين الكهرباء في سوريا يتطلب توفير 20 مليون متر مكعب من الغاز، و15 ألف طن من الفيول يومياً، في حين تقدّم وزارة النفط السورية الآن لمحطات توليد الكهرباء 8 مليون متر مكعب من الغاز، وألفي طن من الفيول في اليوم الواحد.

ولفت الباحث إلى أن “إنهاء تقنين الكهرباء في سوريا يتطلب توفير 20 مليون متر مكعب من الغاز، و15 ألف طن من الفيول يومياً، لكن، وخلال سنوات الحرب الدائرة في البلاد لم تزد المخصصات التي تمنحها وزارة النفط السورية لمحطات توليد الكهرباء عن 8 مليون متر مكعب من الغاز، وعن ألفي طن من الفيول في اليوم الواحد، ما يعني أن كميّة الوقود التي تحصل عليها تلك المحطات لا تستطيع سوى تأمين 28.5%من الاحتياج الفعلي للطاقة الكهربائية”.

لمصلحة من تقطع الكهرباء؟!

أشار الباحث الاقتصادي إلى أن “اتباع برنامج تقنين كهربائي مجحف بحق المواطنين وبحق المنشآت الصناعية والقطاعات التجارية له أثار سلبية، بل ويعتبر مكلفاً أكثر بالنسبة للحكومة، فالحكومة تقطع الكهرباء لكي تحافظ فقط على الفيول المولد للكهرباء وفق خطة زمنية معينة وبكميات معينة، ولكن هل علمت الحكومة أن توفير الفيول فقط سبب آلاف المشكلات الاقتصادية الأخرى؟..هل تعلم أن تقنين الكهرباء المزمن أدى لخلق أسواق جديدة في سوريا بل وتجارة رائجة تكلفها ملايين الدولارات شهرياً، مثل تجارة المولدات التي انتعشت بشكل كبير وجمعيها مستورد من الصين، وهي ذات نوعيات رديئة، ولكن المواطن مجبر على شرائها لأنه لا يجد بديلاً أخر، عدا عن انتعاش سوق الليدات والبطاريات والتي هي أيضاً مستوردة ولا يوجد منزل في سوريا إلا ولديه هذه البدائل المكلفة”.

وهنا يطرح الباحث سؤالاً: لمصلحة من يتم قطع الكهرباء وجلب هذه البدائل إلى الأسواق؟ هل توفر الحكومة من استيراد الفيول لتستورد عن طريق بعض تجارها في القطاع الخاص، المولدات والليدات والبطاريات ويحققون أرباحاً خيالية على حساب حاجة المواطن للكهرباء؟ هل درست الحكومة الكم الهائل الذي يستهلك يومياً من الوقود لتشغيل هذه المولدات؟ هل قامت بدراسة انعكاسات انقطاع الكهرباء على الشركات الصناعية العامة والخاصة أيضاً، والتي جعلت من المنتج السوري في الحضيض لارتفاع تكاليفه وبالتالي عدم قدرته على المنافسة؟ أين هي الخطوات الجادة في إنشاء محطات توليد تعتمد على الطاقة المتجددة؟ بالمختصر يمكنني القول –وهنا القول للباحث- بأن “انقطاع الكهرباء يحقق مصالح بعض تجار الأزمات وهناك مستفيدون من أزمة الكهرباء، كحال تجار الأمبيرات في حلب الذين امتصوا دم الشعب وأمواله أيضا لكي يرى النور فقط”.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *