أحمد العربي
رغم ما مر على سورية من
أحداث مريرة، ومحاولات عديدة من النظام وأطراف أخرى لإحداث شرخ في العلاقة بين
السوريين أنفسهم وتكريس الطائفية بينهم، إلا أن كل المحاولات تلك لم تزح أبناء هذا
الشعب العظيم قيد أنملة عن تماسكه ولحمته الوطنية، التي تشكل لوحة سورية
“الفسيفسائية” الجميلة. قد تبدو تلك المقدمة مقتبسة من خطاب لأحد أمناء
الفرق الحزبية البعثية في مناسبة وطنية، وبحضرة بعض السادة المخبرين مندوبي الأفرع
الأمنية. ولكن الواقع يثبت صحتها، كما يثبت أن السوريين مهما كثرت أسباب الخلاف
بينهم، فإن أسباب الوصل أكثر وإن كان سبب الوصل “وصلاً”.
وقصة الوصل هي أنه، ونحن
نعيش فرحة أعياد الفصح، قامت إحدى المؤسسات الكنسية بتوزيع إيصالات، قيمة كل منها
18000 ل.س، مجاناً على الفقراء من الأخوة المسيحيين لشراء الألبسة بالعيد، ليتم
الشراء بها من إحدى وكالات الألبسة في دمشق. إلا أن المسؤول عن توزيع تلك
الإيصالات اعتبر أن توزيعها للفقراء المسحيين فقط دون إخوتهم في الوطن من المسلمين
أنانية وتصرفاً ينافي الأخلاق الوطنية السورية، خصوصاً وأن المسلمين يعانون ذات
المعاناة جراء الأزمة. فدفعته مشاعره الوطنية الجياشة لبيع الإيصالات لمن يرغب ومن
أي ديانة أو طائفة كان، فالمهم أن يكون سورياً، والأهم أن يمتلك 7500 ل.س، وهو
السعر الذي حدده للوصل الواحد مراعياً فيه أخوة الوطن وما يمر به إخوانه من ضائقة.
فذهب أكثر من نصف ما وزع من إيصالات لغير المسيحيين. حتى إن الباعة في المحال التي
تصرف منها الإيصالات اختلطت عليهم الأمور، إذ لم يشهدوا قبلاً مسحية ترتدي الحجاب،
أو أباً يحمل وصلاً كنسياً ويشتري لابنه “محمد” به. تحولت المحلات التي
تصرف منها الإيصالات إلى مهرجانات للوحدة الوطنية يضيع فيه انتماء الفرد الديني
والطائفي ولا يبقى منه سوى الإنسان، وهو أمر عجزت عنه السياسة وعلم الاجتماع
وحققته تلك الإيصالات، وفقط بـ 7500 ل.س. والفضل كل الفضل لذاك السوري الأصيل الذي
باع الإيصالات بدافع الوطنية وفقط الوطنية، مثبتاً صدق نظرية آدم سميث أبو
الرأسمالية والفردية بأن “الإنسان في سعيه لتحقيق مصالحه الشخصية فهو يحقق
مصالح المجتمع دون أن يعلم”. فيا ليت هذا الوطني العتيد كان أحد أعضاء
الائتلاف الوطني، لكان وحد ما تفرق من جمع المعارضة على كلمة واحدة، وبإيصال فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث