رانيا مصطفى
أربعُ سنوات من عمر الثورة ليست
بالزمن القليل؛ التضحيات كبيرة، والخسائر البشرية والمادية مهولة. الوضع السوري المعقّد
يستحق المراجعة والتحليل بجرأة، قبل التفكير في الحل الممكن، أو قبل الاستسلام
لليأس الكامل. والمطلوب اليوم الابتعاد كل البعد عن التعنت الفكري والتعصب للمواقف
المسبقة والنظرية وغير المدروسة.
الشعب البسيط يميل إلى حياة
الاستقرار دوماً. لم يكن خيار الثورة رفاهية، أو لأسباب طائفية، أو طلباً لمزيد من
الأسلمة، كما أن القمع ليس وحده السبب، ولم ينتفض الشعب لأنه يريد الديمقراطية
والتعدد السياسي في الحكم، إذ لطالما احتمل الشعب، وطيلة أربعين عاماً،
حكم الحزب الواحد، بل وحكم عائلة الأسد وحدها، وسياسات القمع المرافقة لها. رغم
إدراك الشعب لأهمية الحريات ورغبته بها، ورغم إدراكه لضرورة الديمقراطية التي تسمح
بالتغيير والمحاسبة.
الكتلة الشعبية الأكثر تعرضاً لعدم
الاستقرار والتهميش المتتابع هي التي انتفضت، وتحملت العبء الأكبر والكلفة الأكبر،
خصوصاً خلال السنة الأولى للثورة، حيث كانت التظاهرات مدنية وسلمية، ولاحقاً تحمّلت
العبء الأكبر من النتائج الكارثية للعمل المسلح. شارك نشطاء من الطبقة الوسطى في
الثورة، وكانوا فاعلين في تنظيم المظاهرات، وفي تشكيل هيئات محلية تعبر عن الثورة.
لكن النظام تمكن من إخراجهم منها، بالقتل والاعتقال والملاحقة. ومن تبقى منهم غرقوا
في العمل الإغاثي، نتيجة عنف النظام المبالغ به، ليتركوا الساحة لاحقاً بعد سيطرة
الجهادية واعتقالها لبعضهم.
حدد الشعب هدفه في إسقاط النظام،
وهو ما قاله بعد يأسه من إمكانية إصلاحه؛ فقد أبدى النظام تعنتاً تجاه مطالب الشعب
من اللحظة الأولى، وواجهه بالقتل والاعتقال والتعذيب. الطبقات الشعبية المفقرة لم
تحمل وعياً كافياً لتحديد هدفها بدقة، أي لماذا تريد إسقاط النظام. وتولى المهمة
نشطاء الطبقة الوسطى الذين قالوا بكلام عمومي عن الحرية والديمقراطية وعن الفساد.
لذلك كانوا هم أكثر المصدومين بالفساد المرافق للثورة، وبالقمع والديكتاتورية
الذين مارستهما الأطراف الإسلامية. البعض انخرط في هذا الفساد، والبعض الآخر كان
الإحباط هو ما آلت إليه أحوالهم، ثم الهجرة النهائية إلى ما وراء البحار. فيما ظل
الشعب المفقر يعاني القتل اليومي والجوع بسبب الحصار، والتشرد والمعاملة
اللاإنسانية في مخيمات اللجوء.
اذاً استسهل النشطاء الأمر منذ
البداية، وقالوا بسقوط النظام عبر المظاهرات السلمية، ثم بالعمل المسلح دون أفقٍ
واضح. كثرٌ أيضاً استسهلوا التحليلات الطائفية لطبيعة النظام وساهموا، دون وعي،
بتأجيج الطائفية التي أرادها النظام، خصوصاً مع تأييد التنظيمات الإسلامية
المسلحة. ولم يكن هناك من وعي كافٍ لرفض أي تبعية للدول الإقليمية ضمن الثورة، تلك
الدول التي عملت مع النظام على خلق الثورة المضادة عبر دعمها للجهادية بالتحديد.
الطامة الكبرى هي رفض النشطاء لأي
عمل حزبي أو فكري، واقتصار النشاط على تنظيم التظاهرات، وإعطاء أهمية أقلّ
للشعارات المرفوعة. بل إن الكثير من أسماء الجُمع كانت بحاجة للمراجعة والتدقيق
والرفض، وهي التي كانت تطلقها صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد، التي يديرها
أشخاص من الإخوان المسلمين.
هذا الرفض للعمل السياسي والفكري
المنظَّم ترك فراغاً ضمن الثورة، حيث لا نقداً بناءً لما يُطرح من شعارات، ولا
مواقف واضحة تخص الثورة. هذا الفراغ سمح للمعارضة البائسة بالقول بتمثيل الثورة.
وقد سلكت سلوكاً سيئاً خلال سنوات الثورة الأربعة؛ بدءاً بطلب التدخل الدولي
والحماية الدولية، ومغازلة الجهادية، والخطاب الطائفي لها، وفتح دكاكين متعددة
للدول الإقليمية، وللدول العظمى، وصولاً إلى سحبها للنشطاء إلى الخارج، وجعلهم
ينخرطون في مؤسسات أفسدها المال السياسي. والأسوأ هو خلافات المعارضين الشخصية،
والانقسامات المتكررة على إثرها.
وهذا الفراغ جعل معاناة الشعب
تتضاعف، حيث أحسَّ بالعجز، وانكفأ عن الثورة، ما سمح للجهادية بالتغلغل، نتيجة عدم
اتخاذ مواقف واضحة منها، بل إن الجهادية تغلغلت ضمن الشعب من باب حاجاته المعيشية
وكذلك عبر قدرتها على ممارسة القمع بحجة التكفير والتخوين.
ولم ينتبه عموم قطاعات الثورة
لمشكلة الموالين، خاصة المفقرين منهم والأحوج إلى القيام بالثورة، ولم يأبهوا أن
مشكلتهم الأكبر مع الثورة هي الأسلمة والتشدد. بذلك ساهم نشطاء كثر بدعم مخاوف
الموالين، من أقليات دينية وعلمانيين، وحتى أبناء الطبقة الوسطى في المدن الكبرى
كانوا يخافون التشدد الديني والفوضى الطائفية. وكان هناك تهليل دائم لقتل جنود من
النظام، أو حتى حين يُقتل مدنيون بسبب القذائف أو السيارات المفخخة. رغم أن ذلك لا
يؤثر مطلقاً على استقرار النظام، بل هو استفاد منه في زيادة تخويف الموالين،
ودعمهم له.
بعد أربع سنوات من الثورة، تغيّر
المشهد كثيراً؛ الحرب استنزفت الجميع. النظام بات في غاية الضعف، لذلك استعان
بإيران وميليشياتها الطائفية، وسمح لها بالتغول في الأراضي السورية، وبالسيطرة شبه
الكلية على القرار السوري، بل وقتل كل من يخالفها من قادة النظام. وفي الوقت نفسه
الجهادية ما زالت هي المسيطرة على المشهد العسكري السوري، رغم المحاولات الكثيرة
لكتائب من الجيش الحر بالعودة إلى الساحة، وقد حققت بعض النجاح في درعا. وبالتالي
الشعب مازال مبعداً عن الثورة، ويعاني من اليأس وعدم الجدوى. لكنه ظل في الوقت
نفسه يميل إلى حياة الاستقرار، لذلك الطائفية بالنسبة إليه عابرة. الأمر ذاته
يتعلق بالموالين، حيث باتوا يتشاركون مع المعارضين معاناتهم اليومية من الفساد
العام، وقلة الحيلة، ومن الإنهاك من حجم القتل المستمر.
الشعب يدرك دوره في قرارة نفسه،
وفي الوقت نفسه يعي، وبالتجربة، خطورة العفوية في الثورة. لذلك هو منكفئٌ عن
الثورة؛ وينتظر حلاً سياسياً يوقف الحرب أقلها، ويخرج المعتقلين، حتى لو كان
النظام ضمن هذا الحل. الشعب لن يحركه مجدداً سوى قوىً سياسية واعية لدورها، وقادرة
على فهم الواقع والانطلاق منه، وتحديد الأهداف بناءً عليه. هذه القوى لم تتشكل
بعد، فالنخب السياسية غارقة في فردانيتها وسلبيتها وعجزها الفكري.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث