الفنون على اختلاف مسمياتها ومستوياتها لها
إسهاماتها الفاعلة والمؤثرة المباشرة وغير المباشرة في الثورة والتحريض عليها،
ونشرها وتحقيق و ترجمة أحداثها وأهدافها. المسرح بدوره أكثر الفنون قدرة على
التحريض لأنه تجمع يقوم على المواجهة المفتوحة المباشرة بين العرض والجمهور بين
الإنسان والإنسان، والمسرح في جوهرة خطاب وفعل سياسي يوجه البوصلة نحو الهدف
المنشود، وبالتالي فإن الثورة والمسرح يلتقيان في الهدف المنشود وهو السعي نحو
التغيير مع مراعاة اختلاف الوسائل فالمسرح يصنع الثورة والثورة تصنع المسرح.
كما إن مستويات
العلاقة بين الفن المسرحي والثورة متداخلة ومتشابكة فقد يسبق المسرح الثورة ويمهد
لها ويحرض عليها ويسعى إلى خلقها، وقد تسبق الثورة المسرح فتزوده من وحي حوادثها
وقيمها، وقد يلتحم المسرح بالثورة فيواكبها ويكون صوتها وصداها . في الحالة السورية
لا يزال عدم الرضاء عن المشهد الثقافي عموماً والمسرحي خصوصاً المصاحب للثورة
السورية هو السمة الغالبة لآراء أكثر النقاد والمهتمين بهذا الشأن. “صدى
الشام” التقت المسرحي السوري، صادق أسود، وهو الذي يقود فرقة الإباء المسرحية
التي تقدم عروضها الآن على الأراضي التركية، للوقوف على هذا الفن في إطار
الثورة السورية.
– لماذا
لم نشهد حضوراً واسعاً للمسرح الثوري، و ما هي أسباب تغييبه عن المشهد الثقافي
الثوري؟
المسرح لغة العالم، ولا نزال بحاجة إلى المسرح حتى نستطيع تعريف العالم
بقضيتنا العادلة وسلميتنا. الثورة المسلحة كانت واجباً إلى حد ما، ونتج عن تسليح
الثورة إساءات نُقلت إلى الغرب. ونستطيع من خلال تواجد السوري في دول النزوح، ومن
خلال المسرح، تأكيد حقيقة ثورتنا؛ ومن
خلال المسرح نستطيع قول كل ذلك. وبإمكاننا تعديل المقولة الشهيرة المسرحية
“أعطيني مسرحاً أعطيك شعباً عظيماً” حالياً في الثورة السورية، إلى
“أعطيني مسرحا أعطيك تضامناً دولياً”، أما عن المشهد الثقافي فهو مخزٍ
تماماً، وليس مغيباً فقط.
– من يتحمل مسؤولية خزي هذا المشهد وفق تقديرك؟
الفنان في الداخل كان محلاً للهجوم عن طريق الأسلمة والاتهامات، ونتيجة
لذلك أقصي عن الثورة، تحت اتهامات وجهت له، كالعلمانية وغيرها. حيث لجأ أغلبهم إلى
الخارج، ولم يستطيعوا تشكيل كتلة فيما بينهم، وكان ينقصهم الدعم، الذي هو أساس
العمل الفني. فالفن إنتاج، كما يعرف الجميع، وهو بحاجة إلى أدوات إنتاج، فوقف ممثلو ودراميو وكتاب ومخرجو الثورة عاجزين، ولم يستطيعوا رفد
الثورة بنتاج ثوري، ولم يستطيعوا تعريف أسباب اندلاع الثورة للعالم.
– من خلال السياق الذي تحدثت عنه، هل نستطيع القول
بأن الفنان يتحمل جزءاً من المسؤولية؟
لا يتحملون المسؤولية بشكل مطلق، لأنهم ضحية وتم تهميش دورهم في الداخل
أمام السلاح والأيديولوجيات التي سيطرت عليه، لذلك تلاحظ كتاباً وموسيقيين، في
الأردن وتركيا، يجلسون على الرصيف حالياً. قد أستطيع أن ألوم من نزح عن البلاد
مبكراً منهم، لأنه لم يكن نواة لغيره. لكن حتى هذا لم يكن قادراً على ذلك، لأن
الدعم كان ينقصه. وأستطيع القول بأن الفنانين الثوريين انقسموا إلى قسمين: الأول
في الداخل وهو محارَب، والثاني في الخارج السوري، وهذا شَغَله الإبحار وراء سفن
الدعم عن رسالته التي كان يستطيع إيصالها بتقديم قطع فنية صغيرة درامية، أو
مسرحية، وبدعم قليل. بالتالي لجأ أغلب هؤلاء إلى دول غربية، وأذكر مثالاً على هذا
المخرج الكبير “هيثم حقي”، الذي انشق عن النظام باكراً، لكننا لم نلاحظ
له نشاط على مدار أعوام الثورة السورية.
حول إقامة عمل مسرحي ثوري بقصد تثقيف الثوار منذ الشهر التاسع من العام 2012، أي
بعد دخول الجيش الحر لمدينة حلب بشهر واحد. وكان رأي القادة أو “الحجاج”
أننا نحتاج لتثقيف الثوار بتعاليم ديننا، بقدر حاجتنا للمسرح أيضاً، ووُعدنا
بإنجاح العمل وبقيت الوعود في سجل عدم الإيفاء لتحقيق هذه الغاية. ومن ثم عكفت على
إصدار مجلة ثورة الكرامة، والتي كانت المجلة الثورية الأولى، وصدر العدد الأول
منها في العام 2012 في مدينة حلب. كتبت فيها كرئيس تحرير باسم أبو جاد الحلبي، واعتقلت
لدى أمن الثورة قبيل إصدار العدد الثالث، وكفت يدي عن الإصدار فلم ألتزم بما
أصدروه من قرار. في تلك الفترة وصلت فرقة مسرحية من السويداء إلى حلب لتقدم بعض
العروض المسرحية الثورية، والتقيت بهم وكنا بصدد عمل مشترك فيما بيننا، فسارعت
جبهة النصرة إلى تكفيرهم.
– هل غادرت الفرقة المدينة على إثر هذه التهمة؟
التي كانت ستقام في ليلة رأس السنة 2013. في اليوم التالي، تابعت الفرقة عملها في
طريق الباب، لتتلقى قذائف هاون أدت إلى مقتل أحدهم وإصابة اثنين منهم إصابات بليغة.
وكنا جميعا نعلم أن جبهة النصرة خلف تلك المجريات لكننا ما كنا لنجرؤ على الحديث
عن ذلك.
– كيف أسست فرقة الإباء المسرحية؟
تركت حلب منذ حوالي 7 أشهر، حينما تم استهداف مقر المجلة ببرميل متفجر،
وأتيت إلى مدينة كلس. فور وصولي هنا قمت بتأسيس فرقة الإباء المسرحية. لم أنتظر
التمويل، وتحملت نفقاتها مجتمعة عن طرق نفقتي الخاصة. لدي رسالة أعمل على تقديمها،
ولن يثنيني التمويل عن إيصالها، ولن أقف عاجزاً كما فعل أغلب الفنانين السوريون.
لا زلنا هواة، ونقدم الآن أعمالنا في هذه المدينة التي تحوي جمهوراً واسعاً من
السوريين.
– ماهي الصعوبات التي تواجه عملكم كفرقة هنا؟
همنا الأول هو الممثل غير المحترف، وخصوصاً أن أغلبهم يخضعون لآراء
أهاليهم ومجتمعهم بخصوص القبول ببعض الأدوار التي تتطلب مواقف معينة. وأما همومنا
الأخرى فتتمثل بالتمويل، كما قلت لك أتحمل النفقات منفرداً. والممثلون، الذين يفوق
تعدادهم الـ 40 ممثلاً وممثلة، لا يتقاضون أي دخل جراء عملهم. لذلك نجد عدم
الالتزام أحياناً.
– الفرقة تحظى بشعبية هنا في المدينة، ما هي
الأعمال التي قدمتموها هنا؟
رغم أن الفرقة تعتمد التطوع بشكل كامل، إلا أننا استطعنا إثبات الوجود،
وجذب أنظار الجمهور السوري، والجمهور التركي. قدمنا عمل “اللاجئ”، ومن
ثم “بياع الأماني”، والتي عرضت في الجامعة التركية هنا في كلس بعد
ترجمتها. ومن ثم عمل “أغيثونا ولا تذلونا”. وكان آخر عمل للفرقة تحت
عنوان “مشاكس منو وفيه”. وهذه الأعمال هي من تأليفي وإخراجي.
– كيف استقبل الجمهور التركي أعمالكم، وخصوصا أن
أحد أعمالكم قدم إلى جمهور الجامعة التركية؟
لو عدنا بالذاكرة إلى تاريخ المسرح السوري نجد أن أول مسرحية عرضت في
دمشق كانت لأبو خليل القباني، الذي هوجم هو وفرقته لينتقل على إثرها إلى مصر. وتحت
رعاية عثمانية حينها استطاع أن يقدم أعماله هناك. وأقول هنا أن الأتراك شعب محب
للمسرح منذ القدم. بعد الطلب التركي بتقديم المسرحية في الجامعة واجهنا مشكلة
صغيرة، وهي أن الترجمة كانت باللغة العربية الفصحى، لأن الجمهور كان من كلية
“الإلهيات”، وأغلبهم ملم باللغة العربية، بينما كان عرضنا مقدماً
بالعامية. استطعنا تجاوز تلك المشكلة، واستطعنا أن نوصل لهم رسالتنا بأن السوري
يجيد المسرح، كما يجيد حب الحياة. و تم
تقديم درع الجامعة لنا. وأعلنت الجامعة على لسان رئيسها ومسؤول القسم ترحيب
الجامعة بالفرقة بأي وقت.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث