جريدة الحياة/
يعملون لها آلاف الـ «شير» على رغم يقينهم بأنها حلم بعيد المنال. ويحومون حول مبانيها ويدققون في لوحاتها الإعلانية على رغم علمهم بأنها أصبحت موصدة. ويسجلون للدراسة في جامعاتها، ويحلمون بالبقاء فيها، لكن العودة تباغتهم. يملأون الأثير العنكبوتي وذلك الموازي على المقاهي والنواصي باعتراض على عنصريتهم، أو انتقاد لميولهم الدينية، أو رفض كامل لأساليبهم المعيشية، لكن في قرارة نفس كل منهم علم يقين وجزم لا ريب فيه بأن الفرصة لو حانت فهو حتماً سيقتنصها. حتى أولئك الأقل قدرة والأدنى تعلمياً والأضأل حظاً، تسير أحلامهم في الاتجاه نفسه والغرض ذاته، ولكن على طريق موازية حيث البحر بديل عن الجو.
الأجواء الحارة في مصر هذه الأيام تدفع بالشباب إما إلى السواحل الشمالية حيث الماء والهواء والأحاديث الحياتية، أو إلى المقاهي المحلية حيث الكافيين والنيكوتين وأيضاً الأحاديث الحياتية، أو تبقي عليهم في أعمالهم الصغيرة ومهنهم البسيطة حيث أعمال البناء والحفر و «يوم شغال وعشرة لأ» وكذلك أحاديث حياتية.
حياة ملايين الشباب في مصر تبدلت وتغيرت وتحولت كثيراً على مدار السنوات الخمس الماضية. لكنها تحول أقرب إلى الزلازل وأشبه بالبراكين التي تزحزح الأشياء من أماكنها وتقلب الأمور رأساً على عقب، وبعد أن تنتهي يعود ما تبقى منها إلى سابق وضعه. أحاديث الصيف الشبابية خليط من الأحلام والخطط حيث يختلط الخيال بالواقع، ويمتزج الحلم بالعلم، وحيث لا تمت الفرص المطروحة على أرض الواقع بصلة إلى تلك المنتشرة على أثير العنكبوت.
بلغة إنكليزية ركيكة مغلوطة تطالعك صفحة على «فايسبوك» إسمها «هجرة الشباب المصري لأي دولة تقبلهم». عدد محبي الصفحة قليل نسبياً، ولا يتجاوز الألفين، لكن تفاعلهم يكشف توقاً حقيقياً للهجرة وقلة حيلة حيالها. فالوجهات تتراوح من بولندا عبر إعلان لمكتب محاماة بولندي يتقاضي حفنة من الدولارات في مقابل الاستشارات، إلى أوكرانيا حيث سيدة ترى بلدها وجهة مناسبة للهجرة، أو حتى إلى «جامعة أوكسفورد».
«الناس اللى خدت بكالريوس في أى مجال وعاوزة تخلع من البلد أو عاوزة تعمل ماجيستير فى واحدة من أكبر جامعات العالم، «أكسفورد» يتفضلوا يخشوا هنا. هذه منحة لدراسة الماجيستر في جامعة أكسفورد والمنحة كاملة يعني مش هتدفع ولا مليم حتى مصاريف السفر عليهم. كل اللي عاوزينه منك يكون معاك شهادة بكالوريوس وإنكليزي. لو حد بقا واخد بكالريوس فى العلوم (فيزياء أو فلك أو رياضيات أو أي حاجة مرتبطة بمجال الفلك والفضاء) فى منحة ليكم أنتم مخصوص للماجيستير بردو بس المنحة دي فى 4 دول هما (النمسا- إيطاليا- إلمانيا- صربيا) كل اللي عاوزينه إنك معاك بكالريوس أو هتتخرج السنادي ويكون الإنجلش عندك كويس بس مش لازم يكون حلو قوي يعنى.»
«لايك» و «شير» و «شير» و «لايك» بحثاً عن الفرصة الذهبية لدرجة أصبحت «قص ولصق» على صفحات الأصدقاء لتعميم الفائدة وتوسيع فرصة «الخلع من البلد».
وبين «خلع» وهمي عبر وهم الدراسة في أعرق جامعات بريطانيا من دون اشتراط أن يتحدث المتقدم الإنكليزية و «مش لازم يكون حلو قوي» وخلع أكثر حنكة حيث التحاق بدورات دراسية قصيرة وتمضية عطلات صيفية محددة في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية على أمل تحقيق «الخلعة الكبرى» يدور حلم الهجرة في أذهان نسبة كبيرة من الشباب المصري من فئات اجتماعية واقتصادية شتى، ولكن الحلم هذه المرة مصحوب بقدر واضح من الواقعية.
«الواقع الذي فرضته السنوات الماضية وتحديداً منذ ثورة يناير وتطور الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط كلها جعلنا أكثر دراية ومعرفة بالحجم الحقيقي المتاح لفرصنا في الهجرة أو العمل في دول الغرب» يقول هيثم أنور (25 سنة) خريج بكالوريوس هندسة. ويضيف الشاب «اليوم أصبحنا على يقين بأن هذه الدول تضعنا جميعاً في سلة واحدة. هذه السلة تحوي داعش ومثيليه، والجماعات الدينية المتحاربة، والأصوات الإسلامية المتشددة والمتطرفة والتي أصبحت ذات وجه شبابي عربي، ما يعني أن الاستعانة بنا في وظائف قد نكون مؤهلين لها، أو قبول طلباتنا للهجرة أو الدراسة أو حتى السياحة تتضاءل على مدار الساعة، وهو واقع لم يكن مدركاً قبل سنوات الربيع العربي».
الأيام الصعبة التي جعلت من حلم صعب المنال حلماً مستحيلاً بالكامل، تشهد كذلك إقبالاً غريباً على البحث والتمحيص في إعلانات غريبة تقفز مرة على صفحات الإنترنت لتعاود القفز عشرات المرات بفضل اللايك والشير. «حقق حلم الهجرة بالاستثمار غير المسترد في دولة كذا» «اشترِ بيتاً واحصل على الإقامة» وغيرهما من أحلام السفر غير المرتبط بخطط مستقبلية أو آفاق مهنية تدغدغ عقول وجيوب كثيرين على الإنترنت، وذلك على رغم معرفة أن من يملك كلفة السفر هذه لا يحلم بهجرة بالضرورة.
ضرورة الهجرة تفرض نفسها على آخرين، ولكنها هجرة على الأرجح إلى الراحة الأبدية. الهجرة غير الشرعية عبر مراكب في البحر المتوسط تظل حلماً قريباً ونسبياً سهل التنفيذ لكثيرين. بيع مصاغ الأم، ورهن بيت الأسرة، واستدانة مبالغ من العم والخال والأصدقاء، وحجز مكان على مركب قد يصل أو لا يصل إيطاليا. ولكن، وعلى رغم فداحة الاحتمالات، إلا أنها تبقى تظل شبيهة بالاحتمالات القائمة أصلاً في بلدة الشاب المصري الصغيرة حيث فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة منعدمة.
سيطرة أحاديث السفر والهجرة على عقول الشباب في مصر ليست ظاهرة جديدة أو نتاج الأوضاع المتدهورة على الساحة العربية. لكنه مر بأسابيع من الردة حيث فورة شبابية وطنية عقب ثورة يناير، سرعان ما تحولت نكسة مع تدهور الأوضاع وبزوغ شمس الحكم الديني وما تبعه من أحداث.
الفرق بين حلم الهجرة في 2010 و2016 أن الأول كان طفولياً محلقاً في الفضاء مؤمناً بإمكان التنفيذ، أما الثاني فحلم ناضج عاقل، يعرف أنه مستحيل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث