جريدة الحياة/
لو كانت محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، حصلت في دمشق، لكانت حظيت بمتابعة أكبر من السوريين سواء كانوا في الداخل او الخارج، وكأن رجب طيب اردوغان هو «الرئيس السوري» بالنسبة الى المعارضين و»الجيش التركي» هو «حماة الديار» بالنسبة الى الموالين. لكن اولى «ثمار» فشل المحاولة الانقلابية، التي تزامنت مع حديث عن تطبيع بين أنقرة ودمشق، كانت تعليق التحالف الدولي بقيادة أميركا غاراته على «داعش» بعد فرض انقرة اجراءات على قاعدة انجرليك جنوب تركيا قرب حدود سورية.
ما زاد من اثارة المحاولة الانقلابية بالنسبة الى السوريين، انها حصلت في لحظة حساسة. اذ بعد تطبيع اردوغان علاقات بلاده مع روسيا وإسرائيل، بدأت تصدر اشارات عن «تحسين العلاقات مع سورية» ارسلها رئيس الوزراء بن علي يلدريم من دون حديث عن شرط تنحي الرئيس بشار الأسد. كما بدأت وسائل اعلام رسمية سورية وصحافيون مقربون من دمشق تسريب معلومات عن احتمال بحث «فتح صفحة جديدة»، اضافة الى حديث عن قناة سرية بين الطرفين لـ «التوحد ضد الخطر الوجودي المتمثل بالأكراد» الذين يعملون على تأسيس كردستان شمال سورية ما يعزز فرصهم جنوب شرقي تركيا.
في ساعات ليل الجمعة – السبت تسمر السوريون من ابناء الداخل امام شاشات التلفزيون وقبض الجنود والمقاتلون على هواتفهم بحثاً عن الأخبار الآتية من أنقرة وإسطنبول، في حين عاش حوالى ثلاثة ملايين لاجئ لحظات مرعبة لاعتقادهم بأن مصيرهم مرتبط بمصير الانقلاب. وبدا السوريون على ضفتي الموقف السياسي، انهم على منعط خطر. خروج اردوغان عنى للموالين انتهاء الأزمة. وبقاء «السلطان» كان بارقة الأمل الأخيرة للمعارضين.
فجأة، استعاد موالون للنظام النزعة المعادية لأردوغان الذي كان قال عنه الأسد في خطاب امام البرلمان قبل اسابيع إنه «بلطجي» و «أزعر». واستعجلوا «انتصار» الانقلابيين وباتوا يكتبون قصائد المديح بالجيش التركي والهجاء بـ «السلطان».
كل الأخبار القادمة من دمشق، ان كبار المسؤولين السوريين لم يناموا ليل الجمعة – السبت في انتظار خروج «السلطان من جحره». وعلى صوت طلقات النار التي اطلقها عناصر من الجيش النظامي والميلشيات الموالية في دمشق وحلب وطرطوس، تخلى نشطاء عن العبارات الديبلوماسية والتصالحية وكشفوا عمق موقفهم من نشطاء معارضين وراحوا يرسلون تهديدات بالقتل والشنق والإعدام. وبدأت وسائل الإعلام الرسمية والقريبة من دمشق التعاطي مع «انتصار ساحق للجيش التركي» وكأنه للجيش السوري وتقديم «سقوط أردوغان على انه بداية العيد»، اضافة الى إسقاط ماحصل في سورية خلال خمس سنوات على تركيا بحديث عن نزول الآلاف الى الشوارع بحثاً عن الخبز خوفاً من فقدان المواد الغذائية. وفي اشارة ضمنية الى ان جميع من طلب من الأسد «التنحي» خرج من السلطة، كتب النائب عارف الطويل على صفحته في «فايسبوك»: «يادكتور يادكتور(في اشارة الى الأسد) اخبرنا على من الدور» بعد خروج أردوغان.
في الضفة المقابلة، تصرف معارضون وكأن نجاة أردوغان هي نجاة شخصية وسياسية. وبعض المعارضين الذي كانوا يتحدثون عن «انقلاب مشتهى» في دمشق لم يحصل منذ عقود، عارضوا الانقلاب التركي وتمسكوا بقواعد الديموقراطية. وكتب احدهم: «من استطاع تحريك ثمانين مليون نسمة باتصال هاتفي عبر وسائل التواصل يستحق لقب «السلطان» وأن «من تدعمه الجوامع لن تقهره المدافع». لكن بين اكثر التعليقات انتشاراً كان: «في تركيا شعب خرج ضد الدبابات. وفي سورية دبابات خرجت ضد الشعب» مع تمييز بين «من يستعين بالشعب ضد الجيش ومن يستعيد بالجيش والخارج ضد الشعب».
ومع بدء وضوح الخيط الأبيض من الأسود، راح السوريون ينزلون من مواقف عالية وانقلب فرح الموالين حزناً وحزن المعارضين فرحاً. تواضع موالون وقبلوا أن أردوغان «تعرض لضربة وبات أضعف» مع انه لم يخرج من الحكم بل ذهب بعضهم الى ان كل ماحصل هو «خديعة كي يعزز موقعه وسلطاته»، في حين صعّد معارضون من فرحتهم. وأصدرت معظم الفصائل السياسية والعسكرية بيانات رسمية، هنأت فيه اردوغان وتركيا «شعباً وحكومة على ديموقراطيتها».
الى ذلك، اعلنت القنصلية الأميركية في تركيا أن السلطات المحلية تمنع الدخول إلى قاعدة إنجيرليك الجوية والخروج منها عقب محاولة الانقلاب العسكري، علماً ان الجيش الأميركي يستعمل هذه لتنفيذ ضربات جوية ضد «داعش» في سورية والعراق. وفي رسالة عاجلة للمواطنين الأميركيين، أفادت القنصلية أيضاً بقطع إمدادات الكهرباء عن إنجرليك.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث