العميد الركن أحمد رحال - محلل عسكري واستراتيجي/
مع هدنة أو “تهدئة” كما أطلق عليها نظام “الأسد”، بدأت الأعمال القتالية والهجوم على الريف الشمالي لمدينة حلب في منطقة “حندرات” و”مزارع الملاح”، تحت عنوان وهدف واضح يقضي بالسيطرة على طريق “الكاستيللو” الذي يٌعتبر الشريان الحيوي وتقريباً الأوحد لفصائل الثورة السورية ولأكثر من (400) ألف من المواطنين المتواجدين في المناطق المحررة من المدينة.
مدينة “حلب” لم تغب عن تفكير نظام “الأسد” وكل حلفائه الذي طالبوا بالسيطرة عليها، فـ”قاسم سليماني” قال منذ حوالي الشهر لإحدى الصحف الإيرانية: سنسيطر على حلب ولو كلفنا الأمر (100) ألف قتيل. ومن قبله قال رئيس حكومة “الأسد” الأسبق “الحلقي”: هدفنا المستقبلي سيكون السيطرة على حلب. و”نصر الله”، رئيس عصابة حزب الله، قال في أربعينية “مصطفى بدر الدين”: ستكون حلب هي المعركة الكبرى. أما الجانب الروسي صاحب الجهد الجوي الإجرامي الأكبر في سماء سوريا، فيعتبر أن فصل الجغرافية السورية عن “تركيا” والسيطرة على طرق الإمداد ستكون إحدى أهم مهامه داخل الأراضي السورية، وفي الشمال السوري بالتحديد.
مع حشد “شيعي” غير مسبوق، تم تجميع ميليشيات إيرانية ومن “حزب الله” ومن حركة “النجباء” العراقية ومن لواء “القدس” الفلسطيني ومن عصابة “صقر رستم” للدفاع الوطني من الساحل السوري، ومع فلول ما تبقى من عصابة “الأسد” وبتغطية جوية “روسية_أسدية”، بدأت معركة “بتر الأذرع” التي أطلقتها “إيران” على معركة السيطرة على طريق “الكاستيللو” بهدف حصار الثوار والمدنيين في مدينة حلب.
المعركة بدأت بتمهيد جوي غير مسبوق استخدمت فيه راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة والحوامات عبر “براميل الموت”، إضافة إلى الطائرات الروسية والأسدية التي أحرقت المنطقة الممتدة من مخيم حندرات حتى حندرات مع مزارع الملاح والتي تشمل كل القرى والبلدات في تلك المنطقة (حريتان، حيان، بيانون، كفر حمرة، عندان، دوار الليرمون)، وباستخدام تكتيك “سياسة الأرض المحروقة” نظراً للكتلة النارية وحجم المقذوفات التي زادت عن عدد الأمتار المربعة في تلك المناطق لتشكل جداراً نارياً يمنع أي اشتباك مع الميليشيات المهاجمة ويجبر دفاعات الثوار على إخلاء المنطقة.
الساعات الأولى لصبيحة اليوم الأول من “العيد” والذي كان يٌفترض أن يكون بداية “التهدئة” المعلنة، كانت إشارة لبدء الأعمال العدائية التي استهدفت شمال وأحياء مدينة “حلب” المحررة، التي نالت هي الأخرى مزيداً من القصف عبر الغطاء الجوي لطيران الأسد وحليفته “روسيا”. مع هذا الهجوم وهذا النوع من الأعمال القتالية والتي أقل ما يٌقال عنها أنها حرب بربرية_ تدميرية، استطاعت ميليشيات حلفاء “الأسد” التقدم والسيطرة على خمس نقاط هامة في “مزارع الملاح” وجنوبها، وشكلت إطلالة سمحت لوسائطها النارية من رصد طريق “الكاستيللو” والسيطرة عليه “نارياً”، قاطعة الطريق أمام إي إمدادات من مختلف الأنواع بالدخول إلى حلب المحررة وفارضة شبه حصار على المنطقة.
العيون التي لا تنام على جبهات الثوار وإخوانهم في بقية جبهات حلب كانوا يدركون معنى حصار “حلب” ومعنى قطع هذا الشريان الهام عن مدينتهم فكانت التعزيزات التي ترافقت مع تعزيزات لجبهة نظام “الأسد” أيضاً، ولتتحول المعركة إلى معركة “كسر عظم” ولتتزايد الأعمال القتالية وتأخذ منحىً تصعيدياً لم تشهده جبهات الثورة خلال السنوات الخمس المنصرمة. كان واضحا أن التصعيد يحظى بدعم إيراني_روسي_أسدي وأن ديمومة السيطرة والسعي لإكمال إطباق الحصار على مدينة “حلب” يجب أن يتم مهما كلف من جهود ومهما كلف من خسائر.
إن التصعيد على جبهة حلب يحظى بدعم إيراني_روسي_أسدي، يصر على أن ديمومة السيطرة والسعي لإكمال إطباق الحصار على مدينة “حلب” يجب أن يتم مهما كلف من جهود ومهما كلف من خسائر.
هذا الهجوم ترافق مع فتح جبهة إضافية في غرب “حلب” من قبل عصابات “الأسد” في محاولة للمساندة والضغط والتقدم في حي “بني زيد” من أجل تضييق الخناق على الفصائل المدافعة، ويهدف أيضاً للوصول إلى طريق أطراف “الكاستيللو” من الغرب، فكانت الرمايات من المدفعية المتوضعة في “جمعية الزهراء” مع تقدم ميليشيات “أسدية” حاولت السيطرة على حي “بني زيد”. لكن الفصائل المرابطة على تلك الجبهات أحبطت الهجوم وكبدت المهاجمين خسائر كبيرة. ولإضفاء صفة الإجرام على فصائل الثورة قامت راجمات صواريخ النظام بقصف بعض الأحياء الموالية بهدف تأليب المدنيين على الثوار لكن صاروخاً لم ينفجر في حي “الفرقان” الواقع تحت سيطرة النظام وتمتلكه فقط ميليشيات الأسد وروسيا فضح مسعاهم وجعلهم في موقف حرج أمام حاضنتهم التي كشفت ألاعيبهم ونشرت ذلك على صفحات المؤيدين.
الهجوم المعاكس الذي شنه الثوار مع ظهيرة اليوم الأول من “عيد الفطر” استطاع أن يعيد السيطرة على ثلاث نقاط هامة، وتعثرت جهود استعادة منطقة “الشقيف” و”كتلة الجامع” التي تعتبر من الأهمية بمكان لرفع الخطر عن رصد طريق “الكاستيللو”. ومع تقدير حقيقي وفهم واقعي لخطورة الموقف العسكري الضاغط الذي شكلته تلك الهجمة، انطلق “ثوار حلب” مع تعزيزاتهم ومؤازراتهم لإكمال مهمة التحرير وقتل أحلام كل من تسول له نفسه أن يفكر بحصار مدينتهم التي أثبتت على مدار السنوات الماضية أنها عصية عن الحصار. ومع ساعات فجر يوم الأحد ومع عمليتين استشهاديتين نفذتهما إحدى المؤازرات لجبهة الشمال، كان لهم ما أرادوا بعد تحرير كل المناطق التي وصلت إليها الميليشيات الإيرانية وطردها خارج المنطقة مع تحرير بعض المناطق التي تزيد أمان هذا الشريان الحيوي. لكن تحت ضغط الضربات الجوية اضطر الثوار لتنفيذ انسحاب تكتيكي شمل بعض المواقع في “مزارع الملاح” على أمل العودة لها من جديد عند خلق الظروف المناسبة.
خرق “التهدئة” في جبهات حلب لم يكن الوحيد، ففي الغوطة الشرقية كانت هناك عملية لمليشيات “الأسد” و”حزب الله” على جبهة بلدة “ميدعا”، التي أرادت اقتحام الغوطة وفصلها لقسمين والوصول إلى “حرستا القنطرة”، فكانت لهم فصائل الثورة بالمرصاد وأذاقتهم مر الويل عبر تصدٍ بطولي أوقع بين المهاجمين الكثير من القتلى والجرحى. وفي جبهات الساحل، كانت بلدة “كنسبا” على موعد مع هجوم “أسدي” في محاولة لاستعادة تلك البلدة ذات الأهمية العملياتية في جبل الأكراد، وقد أبدع فيها أبطال الساحل وبقية الفصائل المشتركة في فنون القتال ونصب الكمائن وتلغيم طرق التقرب، وكان نصيب المهاجمين مزيداً من الإحباط ومزيداً من الخسائر.
خرق “التهدئة” في جبهات حلب لم يكن الوحيد، ففي الغوطة الشرقية كانت هناك عملية لمليشيات “الأسد” و”حزب الله” على جبهة بلدة “ميدعا”، بالإضافة إلى فتح معارك على جبهات الساحل والقلمون.
جبهة القلمون والمنطقة الممتدة ما بين جرود “وادي بردى” وجرود “رنكوس” كانت أيضاً مسرحاً لعملية أحرجت “حزب الله” الذي ظن أن تلك المنطقة أصبحت آمنة بعد عملية عسكرية مفاجئة استطاعت فيها الفصائل هناك استعادة السيطرة على تلة “صفا” وحاجزها الأشهر في المنطقة، ومع خسائر بين صفوف الحزب بلغت أكثر من (15) قتيلا وضِعفها في صفوف ميليشيات “الأسد”، إضافة لـ(14) أسيرا ألقت فصائل القلمون القبض عليهم من الطرفين.
انتقام طيران الأسد وكالعادة، وأمام جبن فصائله وعناصره وحلفائه، لم يجد سوى المدنيين لصب جام غضبه عليهم فكانت مجازر يندى لها جبين البشرية في “جسر الشغور” وبلدة “دركوش” وبلدة “كفر تخاريم” وفي ريف إدلب، وفي بلدة “كفر زيتا” في ريف حماة، إضافة لعدة مجازر وقعت بين المدنيين في قصف طال أحياء مدينة “حلب” وبلدات “الغوطة الشرقية” وريف حمص الشمالي في محيط بلدة “الرستن” وريف حماة الجنوبي والشمالي.
معركة “الكاستيللو” أو معركة “بتر الأذرع” كما أسمتها إيران، هي معركة ضمن سلسلة طويلة من معارك الثورة السورية التي تثبت فيها فصائل الثورة مدى حرصها ومدى قدرتها وإصرارها وعزيمتها على المضي في طريق التحرير. وما حصل في شمال “حلب” يعيد للأذهان مرة أخرى مدى تمسك الشعب السوري الحر بأهدافه، وأن طريق إسقاط نظام “الأسد” الذي سلكه أحرار سوريا لا عودة عنه.
رسالة الشعب السوري الحر عبر كل الجبهات وما يحصل فيها من بطولات قتالية قام بها أبطال الجيش الحر وكل فصائل الثورة ليست موجهة فقط لعصابات “الأسد” و”إيران” و”حزب الله” وكل المرتزقة التي تقاتل معهم وتقتل الشعب السوري، بل هي رسالة موجهة لمن بدأ يتلاعب بمصير ومستقبل الشعب السوري الحر عبر أطروحات حلول هلامية لا يمكن أن يقبلها ثوار سورية، وعبر طرح حلول تشمل تشكيل واجهات عسكرية غير مقبولة على أنها تمثل الثورة، ولا في الأطروحات التي تتحدث عن إمكانية بقاء “الأسد” ولو لمرحلة انتقالية محدودة.
الحل في سوريا واضح وجلي؛ إسقاط ورحيل نظام “الأسد” مع كل قتلته وتحويلهم لمحاكم الجنايات الدولية على الآثام والإجرام الذي ألحقوه بالشعب السوري، والعودة لتشكيل قيادات من أبناء الشعب تحدد مصير سورية ومستقبلها وترسم عنوانها وتحدد دستورها وانتخاباتها وخياراتها.
وإلا فإنكم تؤسسون لمزيد من سنوات القتل والإجرام ونيران ستحرق المنطقة، ولن تكونوا بمعزل عن تطاير شظاياها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث