عمّار الأحمد
أظهر النظام والمعارضة خفةً لا تُحتمل بمصالح السوريين وبسورية وبموقعها في الإقليم والعالم. النظام مارس وطيلة أربعة أعوام: القتل، التدمير، الاعتقال، الحصار. وبنتيجة ذلك، تدمرت المدن وأصبح السوريون موزعين في كافة جهات الأرض، ويزيد عددهم عن عشرة ملايين مهجر، واستهلكت الحرب كل المدخرات ودمرت البلاد. المعارضة بدورها لم تتقدم قيد أنملة نحو مبادرات فاعلة وقادرة على إيقاف الدمار والقتل والحرب العبثية؛ وقد ساهمت بكل مشكلات سورية من الجهادية والتمويل والتبعية للخارج، ومن رفض البعد الوطني في الثورة. إذاً الطبقة البرجوازية، سواء في الحكم أو في المعارضة، ولنقل ممثلوها السياسيون بدوا غير مكترثين للسوريين ولسوريا. وحينما نقرأ أدبياتهم لما بعد الحرب، نجدها لا تخرج عن الخيار الليبرالي بأسوأ أشكاله. أي نظام اقتصادي يعتمد التجارة والسياحة كقطاعات مسيطرة فيه، أي تبعة كاملة للخارج. وبالتالي لا تمتلك هذه الطبقة أي مشروعٍ للمستقبل يؤمّن لملايين السوريين فرص عمل، حيث لا مشاريع للصناعة أو الزارعة، بالمعنى الليبرالي وليس كما نريد، أي الاعتماد عليها كمسيطرة في الاقتصاد والنهوض الوطني العام.
الطبقات المفقرة لا تمتلك من ذاتها شيئاً، فهي لا تمتلك وعيها كطبقات بديلة، ورغم كونها هي من أطلق الثورة، وهي من ضحّى، وهي من بقي يقاوم النظام، فإنها عاجزةٌ عن صياغة رؤيتها وبرنامجها. واليسار الجذري، والذي يعتبر نفسه ممثلاً للمفقرة هذه، عدا أنّه هامشي، فهو مفتت بين تيارات متصارعة. وهذا ما يعقّد المشهد السوري بامتياز.
بغياب رؤية كليّة للطبقتين تقوم بمهمة النهوض الوطني، فإن سوريا لن تخرج من أزمتها في الأمد المنظور، وستغرق في التبعية بسبب اتفاقيات الوصاية عليها، والتي ستفرض بسبب أزمتها العميقة والتي تتراكم، وربما ستندلع حروب أهلية بحدود معينة هنا وهناك. الحديث عن أن داعش لن تنتهي وأنها ستنحسر يمكن تعميمه على أكثرية المليشيات المسلحة بين الطرفين، وهذه وصفة كاملة لتكون سورية دولةً فاشلةً، ليس الآن بل وفي المستقبل المنظور.
الآن ومنذ فشل اتفاق جنيف الأخير، لا جديد في المشهد السوري، والمبادرات الأخيرة، ديمستورا والروسية، لن تأتي بجديد، فهي ستخفق لا محالة، حيث أنها تُعقد وليس من توافق أمريكي روسي، وطبعاً لا توافق بين دول المنطقة ولا سيما إيران والسعودية وتركيا. أما بداية خروج سورية من الأزمة، ففي ذلك التوافق على المباشرة بالحل السياسي، والتوافق الآن صار مرهوناً بأزمة أوكرانيا وملف إيران النووي، ودورها الإقليمي أيضاً، وهناك قضية التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا، وبالتالي، وطيلة ستة أشهر قادمة، لن نجد جديداً.
ما سيتفاقم هو تمدد داعش والنصرة وأحرار الشام وربما جيش الإسلام؛ فالتنظيمات الجهادية سيتعمق وجودها، فهي تُستخدم كأدوات سياسية من طرفي الصراع حالياً، أمريكا وحلفها وروسيا وحلفها. وبما أن الطرفين الدوليين متصارعان في سورية، فإن الأخيرة خرجت كلية من أيدي أبنائها وتحولت إلى قضية عالمية بامتياز. الحصيلة أن السوريين بدؤوا بثورة شعبية، ولكن افتقاد الشعب لممثليه وتسلط الفئات الليبرالية عليها، سمحا للنظام بتنفيذ مشروعه في تدمير الثورة وسورية معاً.
وإذ كنّا نعوّل على تغييرات في ظواهر الثورة، وتجذير فعالياتها مجدداً كميول ضعيفة فيها، فإن ما تحقق على الأرض، هو ضد هذه الفكرة بالتحديد؛ فهو يشير إلى تعاظم التدخل الخارجي وتوظيف الجهادية في الحرب. أي سورية أصبحت بمرحلة حرب وتوقفت فيها الثورة، وأصبح السوريون بمثابة وقودٍ لحربٍ عالمية وإقليمية. التحول الجديد، والذي قد يتعاظم، هو تجذر الصراع الطائفي، وهو يخدم مصالح الدول المؤثرة في النظام والمعارضة، وإن كان يتراءى كصراع طائفي، وتتجهز له جيوش ويتكرس إعلامياً، وتريده كل من أمريكا وروسيا وإيران وفق هذا الشكل؛ فهذا سيطيل الحرب وسيخرّب بلاداً جديدة أخرى، وسيؤجل أية حلول في العراق أو سورية، والآن قد يدخل لبنان المعركة، وربما هناك خشية من تدخل الحوثيين في السعودية كذلك؛ وهذا خطر حقيقي. الجديد هذا صار يتعمق تباعاً؛ وربما هو تهيئة للاتفاق على النووي الإيراني القادم، وربما بسببه! وتريده روسيا وأمريكا كسبب جديد للتحكم في دول المنطقة وليس سورية فقط.
لا يُخرج الوضعَ السوري من مستنقعه وتبعيته للخارج إلا مشروعٌ وطنيٌ، يتبوأ فيه اليسار دوراً فاعلاً. وبغياب ذلك المشروع وذلك اليسار فإن سورية تتحول إلى دولة فاشلة؛ فلا سلطة مركزية، وتعدديةٌ في السلطات المناطقية (القومية والطائفية)، وحروبٌ ذات طابع طائفي، وتبعيةٌ لدول خارجية، وانهيارٌ كاملٌ للبنية التحتية، وهجرةٌ واسعةٌ للفئات المثقفة، وتلاشٍ متقدمٌ لليسار أيضاً. لبنان مثلاً والعراق أيضاً؛ ورغم أنهما لم يمرا بالربيع العربي، فإن سورية تسير في المآل ذاته؛ أي تمثيلٌ سياسي طائفي ومناطق لا مركزية وسلاح يَصعب جمعه مجدداً، وشعور بالتظلم الطائفي، وفساد كبير في أوساط النظام والمعارضة.
لا نتنبأ هنا، بل نكتب من الممكن الواقعي، والمسنود إلى الوقائع اليومية والإحصائيات التي تنشر يومياً. ما قاله بعض المثقفين من أن الثورة هي استثمار في المستقبل، وسيكون لها دورٌ ثوريٌ في أي نهوض مستقبلي، لم يعد هو الأساس في سورية؛ هذا ممكنٌ، بدرجة ما، في تونس وفي مصر إن لم تغرق بالأزمات مجدداً؛ أما سورية واليمن وليبيا، فيبدو أنها تسير نحو مصائر بما يشبه العراق ولبنان، أي دولاً فاشلة، ومحكومة من الخارج. سورية الآن وربما في المستقبل، وما لم تتقدم الطبقات المفقرة بمشروعها، فإنها العراق ولبنان من قبل!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث