الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / المصالحات الوطنية هدفٌ للنظام في شباك المعارضة..

المصالحات الوطنية هدفٌ للنظام في شباك المعارضة..

هيثم السرياني
شكّلت ما تسمى المصالحات الوطنية بين النظام وبعض المناطق “الثائرة” شكلاً من أشكال مصادرة الثورة من أهلها، تضاف إلى كل ما سبقها من تشويه للثورة، كالترويج للتطرف ودعمه وتعدد الهيئات السياسية للمعارضة، ثم تفكيك الجيش الحر وقيام فصائل كبيرة بارتباطات إقليمية على أنقاضه.
فهل كانت هذه المصالحات حقاً انتصاراً عسكرياً للنظام واستقالة من الثورة للمناطق الموقعة عليها؟ أم أنها حدث سياسي يستحق البحث خلف الكواليس عن أسبابه وخلفياته؟ خاصة وأنها تمايزت في محيط دمشق وحمص القديمة أكثر من غيرهما من مناطق سوريا.
تلقى هذه المصالحات ظاهرياً في أوساط المعارضة ردوداً سلبية، وتقابل بكيل من الاتهامات بالتقاعس والتواطؤ وأحياناً الخيانة للفصائل الموقعة عليها، في الوقت الذي يهلل إعلام النظام لها ويقابلها بالترحيب والمديح فهو يطلق عليها اسم “العودة لحضن الوطن”، وهذا ما يستدعي التساؤل عن حقيقتها.
عانت المناطق الموقعة على المصالحات من مأساة إنسانية قلّ نظيرها، وكانت الأوضاع فيها كارثية على كافة الصعد، وصلت في جنوب دمشق وحمص القديمة حدّ الموت جوعاً، في الوقت الذي تُرٍكتْ الفصائل المقاتلة وحيدة في الميدان دون تقديم أي نوع من أنواع الدعم لها، ولا تتوقف المسألة عند الدعم المادي، بل تتعدى ذلك إلى الواقع العسكري أثناء المعارك، حيث انسحبت الفصائل الكبيرة من القتال وهو في أوجه دون أي مبررات منطقية، كما حدث في (برزة) مثلاً، حيث انسحب كل من “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” من المعركة وأعادا وحداتهما المتواجدة في برزة إلى الغوطة الشرقية، لتبقى كتائب برزة وحيدة في الميدان يساندها فصيل صغير من “جبهة النصرة”.
في السياق،  يؤكد أحد وجهاء برزة لـ”صدى الشام” أنه “زار الغوطة بنفسه قبل توقيع الهدنة بأسبوعين واجتمع بقيادات من “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” وفصائل أخرى طالباً منهم العون العاجل وإلا ستضطر برزة لقبول الهدنة مؤكداً لهم خطورة الوضع الميداني وأنّ الأخيرة تعاني من النفاذ في كل شيء، وتقاتل في الوقت الضائع. لكن طلبه قوبل بالإهمال وعدم الاكتراث”، كما وأكّد أن “وابلاً من الاتهامات بالتقاعس والرضوخ كيّل لهم بعد التوقيع من قبل تلك الفصائل التي رفضت المساندة”.
تكرر السيناريو نفسه جنوب دمشق في مناطق ببيلا، وبيت سحم، ومخيم اليرموك وغيرهم، حيث انسحبت الفصائل الكبيرة من المعركة آخذة معها أسلحتها الثقيلة، كما أنّ المعارضة في الخارج أدارت ظهرها لباقي الفصائل رغم كل مناشداتهم لها تاركة إياهم بين نارين، المعركة مع النظام من جهة وتفاقم الوضع المعيشي للمدنيين المتواجدين بأعداد كبيرة هناك من جهة أخرى، يضاف لكل ما ذكر في جنوب دمشق وجود تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش” أيضاً، الذي لعب دوراً مسانداً للنظام باعتزاله عن قتاله والتفاته نحو تصفية القيادات العسكرية والشخصيات الوطنية المعارضة لوجوده، كما افتعل حالات اقتتال مع عدد من الفصائل المقاتلة  لجرها خارج ميدان القتال مع النظام.
 ويؤكد أحد القادة العسكريين في بلدة بيت سحم لـ “صدى الشام” ذلك قائلاً: “ناشدنا الفصائل الكبيرة والإئتلاف الوطني لتقديم المساعدة أو لفتح جبهة مع النظام في مناطق أخرى من محيط دمشق للتخفيف عن مناطقنا، شارحين لهم خطورة الموقف العسكري والحالة المعيشية المتدهورة للمواطنين، لكن دون جدوى. في حين أخذت حالات الجوع وانتشار الأمراض الناتجة عنه بين المدنيين وحالات بتر الأطراف للمقاتلين المصابين بالتزايد يوماً بعد يوم، دون وجود أي إمكانية للتخفيف منها، فوجدنا أنفسنا في النهاية أمام خيار وحيد وهو قبول الهدنة “.
 ورداً على سؤالٍ حول استعداد جنوب دمشق أساساً لخوض المعركة؟ يجيب المصدر نفسه “كان الوضع الميداني في البداية لصالح الثوار، والنتائج الأولى تدعو للتفاؤل ولكن انسحاب الفصائل الكبيرة من المعركة، والتي كانت تشترط التبعية لها مقابل تقديم المساعدة،  وتنصّل الائتلاف المعارض وهيئة أركان الجيش الحر من مسؤولياتهم تجاهنا، إضافة لدخول داعش إلى مناطقنا قد غير المعادلة لصالح النظام الذي استطاع مع غياب قيادة عسكرية موحدة لجميع مناطق جنوب دمشق التفرد بكل منطقة على حدى وفرض حصار خانق عليها ليجبرها في النهاية على قبول ما يسمى بالمصالحة”، لافتاً إلى أن “النظام كان يستطيع في أكثر من مرة حسم المسألة عسكرياً ورغم ذلك أصرّ على التفاوض والمصالحة”.  
 
تتشابه دوماً شروط التفاوض بين النظام والمناطق “الثائرة”، فالنظام يشترط تسليم السلاح الثقيل، وتأمين الطرقات المحيطة بالمنطقة والسماح لآلياته بإعادة تأهيلها واستخدامها، ودخول وسائل إعلامه برفقه أحد المسؤولين لتصوير العودة لحضن الوطن وبثها، وطرد الغرباء (يركّز في هذا البند على جبهة النصرة)، وتسليم المنشقين، وهنا يشترط الثوار إضافة عبارة “من أراد منهم ذلك”، ويبدي النظام بعض المرونة فيما يتعلق بالبندين الأخيرين، لكنه لا يتنازل قيد شعرة عن البنود الثلاثة الأولى مما يؤكد على البعد السياسي والإعلامي الذي يرمي إليه النظام من جراء تلك الاتفاقيات. 
وأما شروط المعارضة ووجهاء المنطقة فتتركز حول فتح ممرات إنسانية، وإخراج المصابين من المدنيين للعلاج في المشافي وإعادتهم لمنازلهم، والإفراج عن المعتقلين من أبناء المنطقة، والسماح بعودة النازحين إلى بيوتهم. وهذه الشروط تعطي صورة واضحة عن شكل المعاناة التي أدت بالنهاية لقبول شروط النظام.
لا يلتزم النظام غالباً بتعهداته خاصة فيما يتعلق بالمعتقلين، بل يتعدى ذلك للقصف بالمدفعية الثقيلة عند أي ضغط قد تمارسه عليه تلك المناطق لإلزامه ببنود الاتفاق.
وتبدو المسألة برمتها، خاصة فيما يتعلق بمحيط دمشق وحمص القديمة وكأنها تسير ضمن اتفاقيات مبرمة بين النظام والقوى الإقليمية في الخارج، وهذه القوى بدورها تفرض على المرتبطين بها كالائتلاف الوطني المعارض وجيش الإسلام وغيره من الفصائل الالتزام بتلك السياسة، فيما تُتْرَك باقي قوى الثورة في الداخل والتي ترفض المساومات وحيدة في مواجهة آلة الحرب الفتاكة للنظام، والذي حصل بدوره على الضوء الأخضر لاستخدامها ضد تلك المناطق.
وفي النهاية إن كان النظام السوري نظاماً قمعياً استبدادياً يبني ارتباطاته الدولية على هذا الأساس ضارباً عرض الحائط بمصالح شعبه وإرادته، فلماذا تنتهج المعارضة السورية نفس نهج النظام في بناء ارتباطاتها وعلاقاتها الدولية على حساب الشعب السوري أيضاً؟. 

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *