الرئيسية / رأي / في أنّ النظام ومن يشبهه راحلون

في أنّ النظام ومن يشبهه راحلون

عمّار الأحمد
اعتقد النظام أنه مطلق الحضور، لا يهتزّ عرشه، ولا يتزعزع، وأنّ الشعبَ قطيعُ عبيدٍ، لا يقوى على رفع الرأس ولا قول كلمة: لا أو ارحل. أحكم العنف كأداة مركزية للطاعة. وأحكم الفساد كأداة مركزية للأتباع والراسخين في خدمته والراغبين في ماله. وخدمه في ذلك رجال دينٍ لا يعرفون إلا الطاعة والدجل والكذب حتى باسم الله. من شذّ وعارض، أذلّ وسجن وهجّر، ومن بقي، انزوى كأوراق الخريف، أي كان هامشياً في وجوده وحضوره. ولأنه يتوهم الأبدية اندفع كثورٍ هائج في الفساد والإفساد وفي القمع والتفنن بكل أشكال الإذلال للناس. لم يكتف بذلك، اندفع للمغامرة وانفتح نحو السياسات الليبرالية حيث يؤكل الفقراء لحماً وعظماً، وهنا كان مقتله؛ حرّر أسعار النفط بمشتقاته، فدمر الزراعة وسرق أموال الفلاحين ولم يعد لديهم ما يبقيهم أحياء، فهجروا قراهم ملايين ملايين. وغامر بفتح الأسواق نحو تركيا والصين بشكل رئيسي فدمّر بذلك الصناعات البسيطة في كامل الريف الدمشقي وفي سورية عامة. هنا تغير الواقع فكان لا بد من إسقاطه، فكانت الثورة الشعبية.
هذا النظام غالى في تقزيم الناس وفي تجاهل حقوقهم. والشعب عادة يمهل ولكنه وفي لحظة ما لا يهمل، فيقلب كل شيء على رأسه وقد يموت هو في ذلك، ولكنها الروح التي تسترد، وقد تساوت الحياة والموت، فكان لا بد من طلب الحياة ولو كان الموت سبيلاً. حينها لا صمت، لا سكينة، كل أنواع القتال، كل أنواع المواجهة، ليلاً نهاراً، داخلياً خارجياً، ويشترك في ذلك، الكبير والصغير، المرأة والعجوز، وكل طبقات المجتمع، وإن كانت الكتلة الأكبر هي المفقرون.
يحطم الشعب كل رموز الدولة. لم يبقَ تمثال “شامخ” ولا مسطح، يراقب الناس ويخيفهم وهو من حجر؛ لقد قتلوا الخوف بتحطيمه. لم تبق صورة معلقة على الجدران تشعرهم بالأبوة المزيفة إلا ومزّقوها. لاحقوا كل المخبرين، ومن اعتقد أنّه سيكون كائناً بشرياً بأذية الناس وخدمة السلطة الشمولية. حطّموا الشركات التي ترمز للفساد العام، كشركات الخليوي. لم يتركوا شتيمة بذيئة ولم يلحقوها بالنظام. كان الشعب يردّ على ما مورس ضدّه. كل الذل استعيد، كل المهانات استرجعت. كل القوة المقاتلة والروح الثورية اعتمدت. هذا الشعب أراد تحطيم كل رموز السلطة والخوف والقتل والكذب والنفاق. وكل ما توهم النظام أنّه لا يُمس ولا يُقارب وباقٍ إلى الأبد. كله دُمّر.
خبث النظام لم ينتظر طويلاً، فقد رأى موته ورحيله في مصر وتونس، وهو يعلم ويعرف أفعاله جيداً، والتي تقوده إلى المحاكمة بتهمٍ أقلها نهب موارد الدولة. أغرق الثورة بالطائفيين والجهاديين، وهؤلاء ينتظرون الفرص للانفلات الكامل باسم الله. وأغرقها بالسلاح الفوضوي، وبعد ذلك، قتل، وسجن، واعتقل، وصفّى أكثر من مليون إنسان، ودسّ المخبرين في كل نشاطات الثورة. وبالرغم من أن خبث النظام كان كارثياً؛ حيث ارتفعت كلفة الثورة قتلاً ودماراً وحصاراً وتهجيراً ونهباً وطائفية وجهادية، فإن قدرته على إعادة الشعب إلى الحال “القطيعية” لم يعد ممكناً. فالناس، ومنذ عام 2011، غادروا مرحلة الموت، وسعوا-رغم كل مآسيهم-نحو إسقاط النظام ورحيله، ولا يزالون على حلمهم. هم يريدون شكلاً جديداً للحكم يمكّن الشعب من محاسبة القتلة والحرامية والناهبين عبر قضاءٍ حرٍ نزيه.
بدأ تدخل الدول المحيطة بالثورة من بوابة المعارضة، ولاحقاً انفلت كل شيء، وصار التدخل دون هذه الواسطة البائسة. كان التدخل عبر المال والسلاح وعبر الولاء المتعدد الأوجه، لكن وجهه الأبشع كان عبر الجهادية والطائفية. كان تدخلاً لقتل روح الثورة، ولإعادة تأهيل النظام الذي تزعزع وتحطمت كل إمكانياته الحقيقية في استعادة السلطة والقوة. شعر النظام بحبور ما بعده حبور بهكذا معارضة، فهي فاشلة تاريخياً وعاجزة عن الإصغاء لروح الثورة ولمطالب الشعب؛ ولأنّها كذلك، توهّم النظام القوة، واستطاع فعلاً بعد عام 2012 إعادة الأوضاع إلى التوازن، فاشتد عود الجهادية، وظهرت داعش بكل إجرامها اللامتناهي، والذي يبزّ النظام في كرهه للشعب وللحياة.
تنفس النظام الصعداء، وتوهم بأنه تجاوز مرحلة الخطر، وخاصة بعد فشل جنيف 1و2 وما يطرح الآن مثل موسكو1 وهكذا .. وحين جاءت قوات التحالف الدولي ولم تقصف مواقعه شعر النظام بسعادة بالغة. نعم كل ذلك أوهمه بأنه أصبح بعيدا عن الخطر، وأن إعادة الاعتماد عليه ستُدرس لا محالة. لا ننكر طبعاً أن أمريكا وأوروبا راغبتان في ذلك، فهما تريدان عودة جزئية للنظام. هذا الوهم، وهذا الواقع، لا يعنيان أنه قادر على العودة، أقلّه بشخصياته الرئيسية. فما قام به تجاه الشعب لا يمكن أن يكون مجرد غيمة صيف، أو خطأ ما. لا؛ فما حدث في سورية يمنع أية إمكانية لإعادة الأوضاع إلى ما قبل 2011، ومن ثار لا يمكنه العودة للعبودية من جديد.
ذهاب النظام منذ عدة أيام إلى لقاءات في موسكو، ولغة القوة التي ظهرت في تلك اللقاءات، والإعلان بأن النظام وروسيا لا يفكران بجنيف مجدداً، بل بإمكانية قيام موسكو 1؛ كل هذا الكلام لا يغير من واقعة أن النظام ضعيف في كامل سورية، وأن مناطق سيطرته لا تتعدى 40 بالمائة من الأرض السورية، وأن الشباب السوري، موالين ومعارضين، يتركون له البلاد ويهربون كي لا يلتحقوا بالخدمة العسكرية ولا ينخرطوا في القتال مجدداً. الدعم الإيراني والروسي، ولا سيما بعد التمديد للملف النووي الإيراني، لن يضيف شيئاً للنظام. ولا خطة دي مستورا الفاشلة، والتي تعتمد خطة النظام في المصالحات، ولا صمت قوات التحالف الدولي عن جرائمه وآخرها المجزرة الكبرى في الرقة ستضيف شيئاً أيضاً. إن كل ذلك لن يعطيه أية قوة إضافية.
النظام يعلم جيداً أنّ شعوره بالقوة مجرد وهم، وأن الواقع تغيّر نهائياً ولن يجد عبيداً سوريين جدداً لخدمته. لكنّ ما يخفي هذا التغيّر هو شدّة التدخل الإقليمي والدولي. هذا الأخير سيزول تباعاً، وسيعود الشعب إلى روحه المستعادة. في الأسابيع الأخيرة، رفض الشعب في الغوطة ممارسات جيش الإسلام. وفي حلب طالب بالعودة إلى الثورة الشعبية، وفي إدلب، المغزوّة بجبهة النصرة، تظاهر الناس في بلدة رامي، وهكذا، وحالما يشعر الشعب بأنه يستطيع التظاهر من جديد سيعود للثورة كما كانت.
وهمُ القوة لدى النظام ولدى كل من يريدون إعادة السوريين عن حلمهم بحياة أفضل، فيها مساواة وحرية وخبز وفرص عمل وتطوير لكل مناحي الحياة، هو وهمُ القوة العارية من كل حق للسوريين ولن يستعاد مجدداً. الصعوبات كثيرة ولا شك، لكنّ الحلم كبير وسيتحقق.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *