أحمد العربي
لطالما اعتاد النظام السوري على توظيف الاقتصاد في خدمة مصالحه على عكس كل دول العالم، التي يعتبر الإقتصاد فيها محرك السياسة وليس العكس. وهذا ما أدى إلى كوارث اقتصادية في سورية، كالإتفاقيات التي تمت مع تركيا في فترة التقارب التي سبقت الثورة، والتي كان الميزان التجاري السوري خاسراً فيها بما يعادل ستة مليار دولار، إضافة إلى إضعاف الصناعات الوطنية بدلاً من حمايتها من المنافسة التركية والصينية والأوروبية، ما أدى إلى إفلاس العديد من أصحاب المشاريع المتوسطة العاملين في مجالات تعتبر عريقة في سوريا كصناعة المفروشات.
كما أضفى النظام على الاقتصاد السوري السمة الاحتكارية، فكان أن منح قطاعات اقتصادية كاملة للأفراد الموالين له من صناعيين وتجار، خصوصاً في دمشق وحلب في شكل من أشكال الإقطاع الجديد، فيمنع على أي أحد آخر أن يدخل هذا المجال أو ذاك، تلك التي تعد ملكاً يعمل به إقطاعيو النظام .
وتلك خطة ذكية بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية، حيث تؤدي إلى خلق طبقة اقتصادية مضمونة الولاء تملك ثروات هائلة نتيجة الاحتكار، إضافة لما تعطيه تلك الخطة للنظام من قدرة على التحكم بالإقتصاد من خلال حصر النشاط الإقتصادي بطبقة هو يختارها، وتحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد مجزئ قائم على المشاريع المتوسطة والصغيرة الغير قادرة على المنافسة أمام السلع الخارجية، لذلك تبقى بحاجة النظام لحمايتها بقوانين ضد السلع المستوردة .
وبذلك تبقى ورقة الاقتصاد والسوق السورية كرتاً رابحاً بيده للعب مع أي دولة أخرى يرغب بالتقارب معها، ويحرم غير الموالين له من التجار أو الصناعيين السوريين، من إمكانية تشكيل ثروات تمكنهم من التفكير بالعمل السياسي أو تمويله، عبر حصر الثروة في سوريا بيد مواليه، وهذا ما شهدناه في الأزمة الاقتصادية في الثمانينات، حين وقف بعض رجال الأعمال مع حافظ الأسد وأنقذوه من شبح انهيار الليرة، وطبعاً جنوا مكاسب هذا الموقف لثلاثين سنة لاحقة.
ويعود اليوم بشار الأسد ليستفيد من ذات الطبقة التي خلقها هو ووالده خلال الثورة السورية، فيتابع النظام اليوم سياسة الرشوة الإقتصادية لكسب التأييد داخلياً وخارجياً لإطالة بقائه، فنجده يوقع مع شركات روسية عقود تنقيب واستخراج الغاز البحري المكتشف في الساحل السوري، كما يعد وزير خارجية إيران الشركات الصينية بعقود كبيرة في إعادة الإعمار، كثمن لشراء الموقف الصيني اتجاه الملف النووي الإيراني والملف السوري، وهي ذات الجزرة التي يستعملها النظام اليوم، لإغراء مابقي من تجار وصناعيين في سوريا بالإستمرار بالتحالف معه .
فهاهو يعقد مؤتمراً في دمشق تحت عنوان” إعادة الإعمار”، وبشكل معرض يكافئ فيه كل من وقف معه من تجار وصناعيين، بجناح يظهر فيه قدراته على المشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا، في مشهد من الكوميديا السوداء يمكن أن يعنون( بعطاء من لا يملك لمن لا يستحق)، حيث يسعى النظام من خلال هذا المؤتمر لتوجيه رسالة دعم إلى مؤيديه، مفادها بأنه متأكد من النصر الذي بات مسألة وقت فقط، في حين يحلم من شارك في المعرض من شركات كعادتهم بالحصول على ما سيبقيه لهم الإيرانيون ورموز النظام أمثال رامي مخلوف من فتات إعادة الإعمار، هذا إن تم .
لم تقتصر سياسة النظام بشراء الموقف على الدول أو رجال الأعمال، فهاهو يشتري أرواح مؤيديه بأبخس الأثمان، فنجد حكومته تخصص عقود العمل المؤقت لعوائل الشهداء، وهي عقود لا تتجاوز مدتها ثلاثة أشهر براتب 12000 ليرة سورية أي 60 دولار شهرياً، ويطرح رئيس الحكومة المعتوه برنامجه لإحياء الإقتصاد السوري المدمر، عبر دعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر عن طريق قروض لا تتجاوز قيمتها ال 150000ل.س أي 750 $ تخصص لمحافظات اللاذقية وطرطوس والسويداء، ويكمل رئيس الحكومة شارحاً خطته العبقرية بأن المشاريع التي يقصدها تتمثل في تربية بقرة حلوب مثلاً ، وكأن النظام بهذا الطرح يُبدل العوائل بقرة بأبنائهم، الذين قتلوا دفاعاً عنه .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث