أحمد
العربي
يجافيك
النوم ليلاً بعد مساءٍ لوّنته نشرات الأخبار بلون الدم السوري، الذي أصبح حبراً
للصحف ومادة تثري المواد الإعلامية، فتعصف بالقلب ريح الحنين العاتية لذكرى
البداية.
تفتح
أبواب الذاكرة بشكل لا إرادي على هتافات شقت حنجرتك، لعل جمالَ الماضي يلهيك
هنيهات عن قبح الواقع. ما إن تدخل لحظة الوجد تلك، حتى تجد نفسك تدندن كلمات أغنية
“يا حيف”، فتبكي لتكتشف أن حتى المشاعر تتغير، لم تعد تلك الأغنية تشحنك
بطاقة ثورية أو تلهب حنجرتك بالهتاف، بقدر ما تبكيك.
لم تعد أغنية للثورة، صارت مرثية، أو وقفة على
الأطلال كعادة شعراء الجاهلية، أطلال بالكاد تستطيع تذكرها في لحظة شجن ثورية،
وكأنها مرت على الذاكرة كنسمة صيف أعقبها تسونامي محا معالمها.
تستجمع
ما تبقى من قواك العقلية بصعوبة أكبر من مشقة استجماع شفتيك المرتجفتين لارتشاف
فنجان قهوتك، الذي يهتز في يدك كما اهتزاز قلبك وأنت تستمع كلمات الأغنية، وتشاهد
صوراً لمتظاهرين في شتى المحافظات السورية، مفعمين بطاقة كفيلة بقلب نظام الكون
وليس النظام السوري. تحاول أن تهرب من إلحاح الذاكرة عليك، بأن فلاناً هذا تعرفه
أو ذاك رأيته في مظاهرة في درعا، أو اعتصام في حمص، وربما شيعتما معاً شهيداً في
إدلب أو دوما، أو كنتما معاً صفرين من ستة في مليونيات حماة ودير الزور، فتقول
لنفسك أنا لم أزر كل تلك المدن، لكنني أعرف تلك الوجوه، فحينها كانت وجوه السوريين
تتشابه، كما لهجاتهم وشعاراتهم، آنذاك كان الشعب السوري واحداً. يوم كان الواحد
ناشطاً يقف بوجه الدبابة، وسلاحه حنجرة تهز عروش الطغاة.
أما اليوم فالواحد صار بندقية، والناشط بات
شهيداً، والثورة أمست أزمة. وما بين كان وأخواتها تفرقت البنادق، وردمت الخنادق،
وعلت أصوات الفنادق، لينتهي الحلم الجميل بسؤال، ينقلك من رومانسية الذكرى إلى تراجيديا الواقع، وهو
لمن تقول( ياحيف)؟!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث