ثائر الزعزوع/
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً والذي يرافقنا في حلنا وترحالنا يتعلق بماهيتنا، بكينونتنا؛ فنحن من جهة لا نريد أن نصدق أننا نتعرض لكل هذا الويل والتدمير الذي نتعرض له منذ أكثر منذ خمس سنوات، لا بسبب غيابنا عن الواقع أو حالة إنكار نعيشها، ولكن لانعدام خبرتنا ربما، فقد مررنا بسنوات ركود طويلة في زنازين ضيقة تدعى مجتمعة “سوريا الأسد”، وكانت علة الأمن والاستقرار تحولنا مجتمعين أيضاً إلى مخلوقات تفتقد الحوار الجدي، والنقاش المجتمعي، بل وتحرم علينا طرح أسئلة من مثل من نحن. ومن جهة أخرى، فقد تم إفراغ المجتمع وبصورة منظمة، من حالته الثورية التي كانت تميزه في عقود سالفة، واحتكرت السلطة أي مشروع “نضالي”، بل وجيرت حتى الأفكار الخلاقة لتصب في مصلحتها من خلال تبنيها، والإيهام بأنها إنما تدور في فلكها.
لم يخل الأمر من بعض الاستثناءات التي لم تشكل في مجموعها حالة خاصة، وإذا أردنا أن نحصر الحديث في السنوات العشر التي سبقت الثورة السورية، وهي السنوات التي شهدت تولي بشار الأسد السلطة وريثاً لأبيه، وقد استطاع أن يقدم رشى كلامية للمعارضة السياسية “الخجولة” من خلال وعده بالانفتاح وإتاحة الديمقراطية، وحرية الرأي، معتبراً أن ما مضى قد رحل مع أبيه الذي أسس جمهورية أمنية مخابراتية، قائمة على الفساد، فإن وعوده تلك اصطدمت بحقيقة مفادها أن أي حراك حقيقي فعال سيكون كفيلاً بتحطيم أسطورة “سوريا الأسد”، ولذلك كان لا بد من خنق الحركة الجدلية الوليدة في أشهرها الأولى. ولعله من المفيد التذكير أن الكثير من المعارضين قد “هللوا” لمجيء الرئيس الشاب، كما وصف حينها، والذي تلقى بعض التعليم في الغرب، مقنعين أنفسهم، وربما جمهورهم أنه يمكن التعاون معه من أجل الانتقال إلى سوريا مختلفة، سوريا جديدة.
عند هذا الحد يمكننا التوقف لطرح سؤال لربما يكون البعض قد أهمله في تلك الفترة، ولم يعره الكثيرون اهتماماً كبيراً، وهو الهوية السورية، معناها تفاصيلها، والأهم من ذلك كيف يمكن تطويرها، مستقلة عن المنظومة الفاسدة المؤدلجة، بدءاً من طلائع البعث ووصولاً إلى كافة الوظائف الحكومية والمنظمات الشعبية، والنقابات والاتحادات. لم يطرح ذلك السؤال وقتها ربما لأن تلك الهوية لم تتعرض لزلزال عنيف كالذي تتعرض له منذ بدء الثورة، تحديداً خلال السنتين الأخيرتين مع علو شأن التطرف الديني والقومي، بل وحتى العشائري، وهذه تشكل في مجملها شروخاً في بنية المجتمع تضاف إلى الشروخ التي أصابته، والتي لم تعد خفية على أحد. ومن المفيد التذكير أن حالتي النزوح والتهجير بسبب القصف الهمجي من قبل قوات النظام، والتهجير على أسس قومية، كما حدث في بعض مناطق الجزيرة السورية على يد بعض الميلشيات الكردية، يضاف إلى ذلك الحركات المتطرفة، تنظيم داعش أولاً، والتي ساعدت وبشكل ملحوظ في العبث الديمغرافي، كل هذه العوامل قد أفرغت مناطق سورية بأكملها، يقطنها العرب السنة على الأغلب، وشكلت خللاً لا يمكن معالجته بسهولة، يخدم أولاً وأخيراً المشاريع الانفصالية والتقسيمية التي يسعى النظام ومعه كل من روسيا وإيران لتنفيذها. وبات من الصعب رسم خريطة سكانية لسوريا، بل ولا يمكن توقع ما يمكن أن تؤول إليه الأمور مستقبلاً. وإذا كانت الحركات الإسلامية قد أعلت من شأن قيام دولة إسلامية تحكم بشرع الله مثلاً، فإن مؤيديها قد تخلوا على الفور عن انتمائهم “الضيق” لسوريا، وقرروا الالتحاق بانتماء أوسع هو الأمة الإسلامية، فإن بعض الحركات الانفصالية الكردية قد اعتبرت وبشكل علني أن سوريا كانت بالنسبة لهم سجناً كبيراً، وكانوا مسحوقين داخلها، وآن لهم أن يتحرروا من تلك العبودية لتلك الهوية، وأن يحصلوا على هويتهم التي حرموا منها عقوداً طويلة. وإذا كانت البضاعة الأولى، أقصد الدولة الإسلامية، قد اصطدمت برفض دولي، بداعي التطرف والتشدد الإسلامي، بل وتم تشكيل تحالف دولي لمحاربتها، فإن البضاعة الثانية قد لقيت رواجاً، رغم الادعاءات الإعلامية برفضها، إلا أن الدعم المتواصل لها، يؤكد أنها ستكون مقبولة إن لم تصطدم بوقائع مختلفة تؤثر على مصالح دول ما، أستطيع الجزم بأن تركيا لم تعد قادرة على لجم ذلك الطموح، بعد أن وقعت في حبائل السياسة الداخلية والصراع على السلطة. لا يحمل الأمر بطبيعة الحال مقارنة بين طموحين، أحدهما، أقصد الطموح الكردي، أجد له عذراً نظراً لما تعرض له الأكراد من تهميش بسبب تفشي الفكر الشوفيني القومي سنوات طويلة، إلا أن ذلك لا يعني أن العرب كانوا يعيشون متمتعين بتلك الهوية التي لا يعرفون معناها ولا ماهيتها، إذاً لماذا لا نفكر معاً في هويتنا السورية؟
قد يبدو المثل الذي سأطرحه عاماً جداً، ولعل الكثيرين يعرفون حالات مشابهة، فالرجل الكردي الذي تزوج امرأة عربية، أو الرجل العربي الذي تزوج امرأة كردية، سيكون أولادهم مزدوجي قومية بطبيعة الحال، عرباً وكرداً، لكن أولئك الأولاد كانوا سوريين، على الأقل، أولئك الذين تمكنوا من الحصول على الجنسية، ولم يكونوا مكتومي قيد. ولكن كيف يمكن التعامل معهم مستقبلاً؟ أقصد هل سيكونون رعايا في “إقليم كردي” أو “إقليم عربي”؟ طبعاً هذا إذا انسقنا وراء أحلامنا وسلمنا أن سوريا ستظل دولة واحدة.
وللحديث بقية….
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث