الرئيسية / تحقيقات / حكومة النظام تتوجه نحو “الليبرالية الجديدة” اقتصادياً

حكومة النظام تتوجه نحو “الليبرالية الجديدة” اقتصادياً

محمد صالح/

لم تعد سياسية حكومة الأسد الهادفة منذ بداية الثورة السورية إلى رفع أسعار المواد التي سمتها “مدعومة” في ما سبق، خفية على أحد. بل الأكثر من ذلك، أن هذا الأمر ارتبط بالحكومات التي سبقت حكومة الحلقي، حيث كان رفع الدعم هدفاً لها، بحجة إنهاك خزينة الدولة، واستغلال التجار للفرق بين السعر محلياً وقرينه في دول الجوار كـ “لبنان والعراق وتركيا”.

حكومة الحلقي الحالية، استغلت ذلك بشكل أكبر تحت مسمى جديد وهو “عقلنة الدعم”، لتوفير المال لآلة الحرب التي تقتل السوريين منذ أكثر من 5 سنوات، ولتقول من خلاله إن “دعم المواطن أمر غير وارد”. لكن كم وفر النظام من ذلك وكم خسر المواطن؟ ستحاول “صدى الشام” في هذا التحقيق تفصيل كل ذلك والإجابة على هذه التساؤلات.

قال الخبير الاقتصادي عمار يوسف، المعروف بموقفه المؤيد للنظام، إن حكومة الأسد “تتجه لرفع الدعم نهائياً عن جميع المواد لتحقيق شروط البنك الدولي للاقتراض منه”.

 

وأضاف يوسف في تصريح سابق لوسائل إعلام محلية، إن أهم شروط الاقتراض من البنك الدولي، هو رفع الدعم الحكومي، وبذلك تصبح الحكومة تابعة للبنك الدولي وتفقد سيادتها بالشأن الاقتصادي، موضحاً “يمكن للبنك الدولي حينها، التدخل حتى باسم وزير الاقتصاد، ورسم سياسات الدولة الاقتصادية”، لافتاً إلى أن ذلك سيكون خلال الأشهر القادمة

البداية مع المحروقات

 

بدأت سلسلة رفع سعر المازوت مع العام 2011، حيث تم رفع سعر المازوت من 15 إلى 20 ليرة، ثم تم رفعه إلى 23 ليرة خلال نفس العام، ليعود الارتفاع مجدد في 2012.

وفي العام 2013، تم رفع السعر مرتين من 25 ليرة إلى 35 ليرة ثم إلى 60 ليرة، وفي 2014 رُفع السعر إلى 80 ليرة، ليختتم ذلك في 2015 حيث تم رفع سعر المازوت من 80 إلى 125 ليرة ومن ثم إلى 130 ليرة وبعدها إلى 135 ليرة.

سعي حكومة النظام لرفع الدعم عن المازوت تحديداً يمكن لمسها أيضاً، مع إنهاء التعامل بقسائم المازوت التي كانت مخصصة للعائلات السورية بهدف توفير مادة المازوت لأغراض التدفئة مجاناً، مقابل دفع بدل نقدي بقيمة 10 آلاف ليرة سورية لكل عائلة تسلم لها الكميات بموجب دفتر العائلة، وتم إنشاء صندوق خاص لهذا الغرض. لكن النظام أوقف العمل بهذه الآلية، وتحجج حينها بوجود فساد، وظهور سوق سوداء لشراء هذه القسائم، مما استوجب إلغاء العمل بالقسائم.

خلال خمس سنوات تقريبا، رفعت حكومة النظام السعر النظامي للمازوت بنسبة 900% تقريبا، كما ارتفع السعر النظامي لأسطوانة الغاز بنسبة تجاوزت 1000%، أما البنزين فقد توقف سعره النظامي عند 160 ليرة لليتر الواحد.

أما البنزين فقد خرج عن “الدعم”، لربط حكومة الأسد سعره بالسعر العالمي كما زعمت، لكن ما يكذب ادعاءاتها، ثبات سعره منذ تموز الماضي عند 160 ليرة للتر الواحد، ما يحقق أرباحاً كبيرة للنظام حال انخفاض السعر.

ومن المعروف، أن حكومة الحلقي رفعت سعر اسطوانة الغاز إلى 1900 ليرة، علماً أنها لا تتوفر في السوق فعلياً بسعر أقل من 2500 ليرة، وخفضت وزنها من 12 إلى 10 كغ بحجة تأمينها بشكل أكبر.

بدأت سلسلة رفع سعر الغاز منذ 2011، حيث زاد من 150 إلى 1500 ليرة، ثم تم رفعه إلى 1900 ليرة، بنسبة تجاوزت 1000% خلال 5 سنوات.

وقال وزير التجارة الداخلية الحالي في حكومة النظام، جمال شاهين، في تصريح سابق، إن “الارتفاعات التي طرأت على أسعار النفط عالمياً تحتم تحريك الأسعار، ورغم ذلك فإن دعم المازوت مستمر بالمليارات، وأسطوانة الغاز مازالت مدعومة بـ 300 ليرة مقارنة بالكلفة الفعلية، كما أن ليتر المازوت مدعوم بـ 17 ليرة سورية”.

المواد المقننة

لم تكن المواد المقننة، مثل “السكر والرز”، والتي توزع للمواطنين باستخدام البونات عبر منافذ المؤسسات الاستهلاكية التابعة للنظام بسعر مدعوم، بعيدة عن رفع الأسعار، فأسعارها لم تكن عائقا أمام المواطن السوري، بل إن توفرها هو هاجسه، لدرجة فقد السوريون معها الأمل بالحصول على ما انتظروه، مما اضطرهم للتعامل مع المنتج الحر بأسعار مضاعفة، وذلك لاعتبار أن هاتين المادتين أساسيتان، ولا يمكن للمواطنين الاستغناء عنهما.

ووفقاً لـ”أبو أيمن”، موظف متقاعد من دمشق، فإن “هذا العام يعد الأسوأ في الحصول على المواد المقننة من منافذ المؤسسة الاستهلاكية”، موضحاً: “في كل مرة أذهب فيها للحصول على السكر والرز من المؤسسة الاستهلاكية، منذ العام الماضي، انتظر لساعات طويلة دون جدوى. وفي حال توفر المواد، فالأولية تكون للعساكر واللجان الشعبية التي تهرب المادة، ويجب على المواطن أن يدفع لهم ليحضروا له مخصصاته”.

يصل سعر السكر والرز المقنن إلى 50 ليرة، في حين يباع في الأسواق بـأسعار تجاوزت 500 ليرة للكيلو الواحد. مع العلم بأنه لم يتم توزيع مادة الرز التمويني من قبل مؤسسات النظام الاستهلاكية منذ نحو سنتين، بينما توقف توزيع السكر منذ حوالي سنة ونصف السنة. ويعلل النظام السبب، بعدم استجرار السكر والرز من “الدول الصديقة”، لعدم توفر الأموال المخصصة لذلك.

وتقدر الكميات اللازمة من مادة السكر التمويني لمدينة دمشق وحدها شهرياً بحوالي 23 ألف طن، بينما تصل الحاجة إلى 12.500 طن من رز.

الكهرباء ضمن الخطة

مسلسل سحب الدعم التكتيكي عن أساسيات الحياة، وإلقاء العبء على كاهل المواطن لم يتوقف عند المحروقات والمواد المقننة، حيث طال كذلك قطاع الكهرباء. وقد وصل أخيراً إلى مضاعفة قيمة الفواتير التي تدفعها كل عائلة، حيث تم رفع سعر الكهرباء 100% للاستهلاك المنزلي ليصبح سعر الكيلو واط الواحد ليرة سورية واحدة للشريحة الأولى بعد أن كان 50 قرشاً، كما قسمت الشرائح إلى 5 بدلاً من 6، إذ وسعت الشريحة الأولى من 1 إلى 400 كيلو واط، فأصبحت بالقرار الجديد، من 1 إلى 600 كيلو واط، وعدلت باقي الشرائح الأربع. ورغم ذلك، استمرت دعاية حكومة النظام لمسلسل الدعم، بقول رئيسها، وائل الحلقي، إن “الكيلو واط الكهربائي الواحد يكلف الحكومة 29.7 ليرة، ويباع للمواطن بليرة واحد، بينما تبلغ قيمة دعم الكهرباء للعام 2016 مبلغ 326 مليار ليرة”.

ومع آخر قرار لرفع تعرفة الكهرباء، ومضاعفة سعر الكيلو واط الواحد بنسبة 100%، لم تعد تقل فاتورة أي عائلة سورية عن 3 آلاف ليرة في كل دورة.

الخط الأحمر

بناء على دراسة أجرها المنتدى الاقتصادي السوري، قإن انطلاقة الثورة السورية ربيع 2011، جعلت النظام السوري أمام واقع مرير ضغط على موارده المالية، بسبب استنزاف آلته العسكرية التي سخرت للمواجهة. وهو ما دفع النظام لتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها حافظ الأسد، فلجأ في شهر تموز من عام 2014، لرفع سعر كيلو الخبز من 9 ليرات إلى 15 بنسبة تزيد عن 65%.

وتحت مبرر “عقلنة الدعم”، أصدر وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في شهر كانون الثاني من نفس العام، قرارين يقضيان بتخفيض وزن ربطة الخبز من 1750 غرام إلى 1450 غرام، وبزيادة سعر الربطة من 25 ليرة سورية إلى 35 ليرة سورية. وبذلك تكون الزيادة الجديدة تفوق 60%.

خلال عام ونصف تقريباً، رفعت حكومة النظام سعر الخبز بنسبة تزيد عن 500%، وذلك بحساب فرق وزن الربطة.

ومع نهاية العام الماضي قررت حكومة النظام مرة أخرى، رفع سعر ربطة الخبز بنسبة تصل إلى 42% من السعر الأخير، ليصل سعر ربطة الخبز إلى 50 ليرة سورية.

وبالنتيجة، فإن النظام السوري رفع خلال عام ونصف تقريباً، السعر بنسبة تزيد عن 500%، مع حساب فرق وزن الربطة. مما يعني أن النظام أُجبر على اللعب بورقة قد تكون آخر أوراقه، وهي ورقة معيشة المواطنين المؤيدين قبل المعارضين.

يذكر أن إنتاج سوريا من الخبز يبلغ نحو ملياري ربطة سنوياً، أي أن النظام سيجني 100 مليار ليرة كعائدات من الخبز، بعد رفع سعره إلى 50 ليرة.

13 ألف ليرة سكر ورز وخبز وكهرباء!

 

شكلت زيادة الأسعار عبئاً على محدودي الدخل، والذين يشكلون غالبية الشعب في سوريا، حيث يستهلك تأمين الخبز بشكل يومي ما قيمته 1500 ليرة من راتب الموظف شهرياً، إذا اعتبرنا أن الأسرة تستهلك ربطة خبز يومياً.

 

بناء على سحب دعم حكومة النظام عن معظم المواد، بات تأمين الأساسيات فقط من سكر ورز وخبز وكهرباء يستهلك ما يزيد عن ثلث راتب الموظف الذي يبلغ وسطيا 25 ألف ليرة.

وإذا أردنا حساب كلفة تأمين المواد التي تسعى حكومة الأسد لسحب الدعم عنها بشكل شهري، وفقاً للسوق، نجد أنه لا بد من تخصيص 10 آلاف ليرة شهرياً لتأمين الرز والسكر والخبز فقط، و3 آلاف ليرة على الأقل قيمة فاتورة الكهرباء، كونها تصدر كل شهرين، علماً متوسط راتب الموظف 25 ألف ليرة، بمعنى أن تأمين تلك الأساسيات فقط يستهلك ثلث الراتب.

 

كذبة زيادة الرواتب

 

قام النظام، وليصرف أنظار الناس عن الغلاء ورفع الدعم وفقدان قيمة الليرة بعد الارتفاع الكبير للدولار خلال الفترة الأخيرة والذي تخطى حاجز 600 ليرة، بإطلاق إشاعة زيادة الرواتب عبر صفحات موالية له في موقع التوصل الاجتماعي فيسبوك. حيث نقلت تلك الصفحات أن هناك دراسة لزيادة رواتب الموظفين بنسبة 50%.

 

ليخرج بعدها وزير المالية نافياً تلك الإشاعة، وقائلاً إن الدراسة تمت بالفعل، لكنها قديمة وتعود للعام الماضي، موضحاً أن لا نية لرفع الرواتب في الوقت الحالي.

 

ويرى عدة مواطنين استطلعت صدى الشام آراءهم، أن “هذه اللعبة الإعلامية نجحت بشكل كبير، ومن الطبيعي أن تلاقي كل هذا النجاح عندما يتعلق الأمر بالمال الذي يصعب على المواطن توفيره في ظل الغلاء الحاصل، وسلسلة رفع الأسعار، سواء للمواد التي تدعي حكومة النظام أنها مدعومة أو للمواد غير المدعومة”.

 

الليبرالية الجديدة

 

صرّح باحث اقتصادي فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ”صدى الشام”، أن “كل ما تفعله حكومة النظام يؤكد توجهها نحو “الليبرالية الجديدة” اقتصادياً، والتي يمكن حصرها بخمس نقاط:

 

  1. رفع القيود عن السوق: رفع كافة القيود التي تفرض على المشروعات الخاصة، مهما كانت التبعات الاجتماعية والأضرار الناجمة عن ذلك، وتخفيض الأجور، وعدم التدخل لضبط الأسعار، وإتاحة الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال.

  1. تقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية: مثل التعليم والرعاية الصحية والمواد الاستهلاكية والمحروقات، وتخفيض الإنفاق على الضمان الاجتماعي، وصيانة الطرق ودعم الكهرباء، تحت مسمى تقليص دور الدولة أو ما تسميه حكومة النظام “عقلنة الدعم”.

 

  1. التحرير: تقليص التدخل الحكومي في أي شيء قد يخفض الربح.

 

  1. الخصخصة: بيع المشروعات والبضائع والخدمات التي تمتلكها الدولة إلى رجال الأعمال. والخصخصة تسبب مزيدا من مركزة الثروة في يد قلة من رجال الأعمال، مثل ما حدث في قطاع النقل “البري والجوي”، والقطاع الصحي (خصخصة جزء من المشافي)، وقطاع الاتصالات الخليوية، والإنترنت.

 

  1. القضاء (ضمناً) على مفهوم “الصالح العام” واستبداله بمصطلح “المسؤولية الفردية”، لدفع المواطنين للبحث عن حلول لمشاكلهم الخاصة الناجمة عن ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل”.

 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

تحقيق: هكذا تورط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في قمع وتعذيب الطلاب بعد 2011

أكد تحقيق أجراه المجلس السوري- البريطاني تورّط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في مجمل عمليات القمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *