في
عام 2010، توفّت والدة “فاتن” عن عمر يناهز السبعين، لحقت الأب بعد عام
من وفاته، واقتُسمت الورثة من أموال وأثاث ومواد ثمينة على فاتن، وأخواتها عدلاً، ولم
يخلُ الأمر من بعض المناوشات الصغيرة التي تحصل في كل عائلة عند توزيع الورثة.
اشترت فاتن السيدة الخمسينية، والأم لثلاثة أطفال، منزلاً لعائلتها الصغيرة في ريف
دمشق، بلدة “حرستا” مع محلين آخرين بجانب بعضهما أجرتهما لاحقاً لمصففة
شعر. تحقق حلمها بعد انتظار خمسين سنة، بأن تحصل على منزل يحوي شرفة تطل على
الشارع، وتدخل همسات الناس وحركة الشوارع إلى عمق بيتها، في محاولة لكسر الممل
الذي عاشته في بيتها المغلق بعد حارة واحدة من البلدة ذاتها، كانت تجلس وأبناءها فيها
كل ليلة مع صحون المكسرات، وكاسات الشاي المرافقة لجلسة الأحاديث البسيطة تلك، وتنتعش
روحها مع كل نسمة من نسمات الغوطة التي لا تشببها أخرى.
لم تلبث التمتُّع ببيتها الجديد وتجديد أثاثه، مع شاشة الإل سي دي، التي اشترتها كيداً
بشاشة زوجة أخيها، إلا وثارت مدينة حرستا
على نظام بشار الأسد، فكانت من أوائل البلدات الريفية التي خرجت مظاهرات، ورفعت
شعارات منادية بالحرية، “فاتن” تمتعت بمشاهدة الوقائع من خلف شرفة
الأحلام، على وقع أنغام “السكابة” وتراص الصف في حلقات الدبكة السلمية
المنادية بالكرامة وإسقاط النظام.
إلى
أن بدأ النظام حملته الشرسة على المدينة، وتحولت المظاهرات وحلقات الدبكة الملونة
بألوان طيف المجتمع السوري إلى تجمُّعات تشييع تنتجُ عشرات الشهداء يومياً، ومع
دخول الدبابات الجيش السوري لداخل المدينة، وتسلح الثوار، بات الوضع لا يطاق، حبست
في منزلها لا تخرج منه إلى أن تمركزت الدبابات أمام عمارتها، حيث تم قصف ساحة
“الثانوية” التي اتخذت منها بيتاً جديداً لها.
أرسلت
أطفالها إلى زوج أخيها، لحمايتهم، وأصرت على البقاء في المنزل، لحماية أثاث بيت
الجد الثمين، وكيلا تدع ملكها سائباً بيد الفوضى، وفي أحد الأيام، دوهم البيت من
عناصر جيش النظام.
“فاتن” نظيفة، أنيقة، تخاف على
مقتنياتها وتهتم بتفاصيل منزلها، لم تكف عن البكاء دون دموع، بعد محاولة خلع طرف
الباب بفم الروسية قبل دقه!، ودخولهم ببساطيرهم العسكرية، وسحب علبة دخان زوجها
أمامها، والتدخين في البيت الأنيق، دون إذن منها، كظمت غيظها، واكتفت بالصمت مع
نظرات تخبئ آلاف المعاني خلفها إلى أن مضوا.
تأزمت
الأوضاع الأمنية، وفرض حصار شرس من قوات الأمن السوري على المدينة، ومع ازدياد
الاشتباكات وأعمال العنف بين الجيشين، وبعد لوعة أطفالها وعائلتها عليها، قررت
المغادرة واللحاق بهم، إلا أنها نسيت عند خروجها أوراق ملكية المحلين والبيت في
داخله، وأصرت أن تعود إليه لجلبها.
في
صباح اليوم التالي استيقظت قبل العصافير، لتحضر أوراق “تحويشة” عمرها،
رغم الحصار الذي يمنع دخول السيارات للمدينة، سلكت طريقا ترابياً مستعينة بجرار
فلاح.
تقول
فاتن:” ذلك اليوم كان رهيباً أذكره بكامل تفاصيله، لم يهدأ طيران النظام
بإلقاء قاذوراته فوق المدينة من جهتها الغربية، طوال تواجدي، السماء كانت غائمة،
والطيران ما مل من التحليق، تمركزت دبابتان عند ساحة المنزل، استطعت الدخول خلسة،
واشتعلت المعارك في الخارج، جلست في زاوية وبيدي أوراق العقارات، أتشهد لله،
وواثقة أنها أخر لحظاتي، مع اتصالات متتالية من أبنائي وأقاربي، للاطمئنان علي،
فلم أقل لهم حينها أنني ذاهبة، إذ كانوا نياماً، كان الجيش الحر مختبئاً في
العمارة، والجيش النظامي يحاول اختراقها، مع خوفه أن تكون ملغومة أو يفاجئ بكمين داخلها”.
أخيراً
قام الجيش النظامي بهدم جدران البيوت تتابعاً للوصول للشقة، شاهدتهم فاتن من
الشرفة، وسمعت أحاديثهم، مع تكرار عبارة “أنا مدنية”، لم تخلُ أيدهم رغم
الوضع المزري إذ أنهم محاصرون، من بعض المسروقات حتى أنها رأت أحدهم بلباسه
المموه، حاملاً على ظهره حقيبة وردية مليئة بألعاب البنات”.
نزلت قذيفة هاون على البناية المجاورة، واشتعل قسم من مطبخ الجيران، ظلت هادئة تدعو
من الله أن تخرج لأولادها سالمة، حتى نسيت لماذا عادت؟
انهمر
المطر كشلال على المدينة، برحمة من الله، فاستغلت توقف القصف من الطائرة، لتأتي
فرصة وتهرب، خرجت مسرعة عبر الحارات الضيقة، إلى أن وصلت مشارف البلدة، ووجدت سيارة
الفلاح ذاتها في انتظارها، ونسيت للمرة الثانية أوراق البيت!.
حررت “حرستا” من الجيش بعد فترة، منسحباً إلى محيطها وأبوابها، وكعادته
في جميع المدن المحررة أطبق حصاره الخانق عليها، وأصبح الداخل لها كالداخل إلى
قبره، إذ تعتبر “حرستا” من أكثر المدن المهدمة خلال الثورة السورية، تصل
نسبة الدمار فيها إلى 70% وأكثر، ويبدو ذلك جلياً عند قطع الاوتستراد الدولي، حيث
أنها مرمية على أطرافه.
تهدمت
المنازل، ولم تسلم لا المدارس ولا الجوامع من قذائف النظام، باتت المدينة مجموعة
أحجار تنام فوق بعضها، متلاحمة.
اليوم
“فاتن” ترى صور شقتها بحرقة قلب، عبر صفحة “عدسة شاب حرستاني”
عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحمد الله أنه لم يتهدم إلا جزء بسيط منه، عازمة
على تصليحه عند عودتها، تقول:” لم يتضرر كثيراً، بقي ربعه بخير، كما أن
الشرفة لم تتأذى”!.
بعد
مشقة البحث عن مكان للسكن، جلست وأطفالها في منزل زوج زوجها الفارغ، في حي ركن
الدين الدمشقي، حيث كان مستودعاً للمفرقات والجملة، حولة رائحته العتيقة، لمنزل
يعبق بالحياة، إلى أن بدأت زوجة الأب، بالكلام والتسميع أنها تريد بيتها، فأصبحت
تدفع نصف الأجرة بمقدار 15 ألفاً لزوجها إرضاءً
لزوجته الثانية لتبقيها فيه. واستمر الوضع أشهراً حتى جاءت فرصة ذهبية
للزوجة لإخراجهم بحجة المستأجر الجديد الذي سيدفع 60 ألف ليرة سورية لشبه بيت لا
تتجاوز مساحته 90 متراً.
هامت
في بلاد الله برفقة أولادها، بعد عدة محاولات لاستئجار منزل صغير في أحياء دمشق
“الحنونة”، متنقلة هي اليوم بين بيوت أشقائها على أطراف العاصمة، فلم
تستطع مواراة غلاء الأجور بدخلها المتوسط الذي لا يتجاوز ال 40 ألف ليرة، حيث
تتخطى أجرة البيوت 70 و80 ألف في المناطق “الآمنة” في دمشق التي تعتمد
قذائف الهاون اليومية أسلوباً للحياة.
فاتن ضحية كغيرها، استغلها التجار وأصحاب العقارات، عند أول كسرة في وطنها، تهدم
حلمها بعد أن شاهدته يكبر أمامها، على يد تجار دمشق العاصمة ولصوصها، والمفارقة
تكمن حين تحقق حلم ثرائهم فوق جروحها، ضمن حمى الاستغلال المنتشرة، بالرغم من تغني
شاشات الوطن، أن الشعب السوري كان حاملاً للمسؤولية في “أزمته” متضامناً
متكاتفاً مع بعضه.
الحال لا تختلف في المحافظات، فآجار البيت في طرطوس يصل إلى 100
ألف ليرة، والشاليه على البحر في اللاذقية حيث تمتلئ غرفتيها الصغيرتين كعلبة
الثقاب بأهالي مدينة حلب. وصلت أجرتها لأكثر من 40 ألفاً. أما في ضواحي دمشق
كصحنايا، جرمانا .. فيصل آجار البيوت التي في أغلبها عبارة عن غرف قبو لا يدخلها
الهواء، وكانت قبلاً مستودعات لخردوات البيت، أو مكاناً لحفظ براميل المازوت، وصل
سعر أجرتها إلى أكثر من 20 ألفاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث