الرئيسية / رأي / الأشياء بمسمياتها

الأشياء بمسمياتها

خضر الأغا/

منذ بدء ظهور تشكيلات عسكرية في الساحة السورية، بعضها معروف التوجه والانتماء، وبعضها هبط بشكل مفاجئ وكلف وقتاً طويلاً لمعرفة أصوله وتوجهاته وأهدافه، ومنذ أن بدأت تشكيلات أخرى بالاختفاء عبر حل نفسها أو انخراطها واندماجها مع تشكيلات أخرى، راح، ليس المجتمع الدولي فحسب، بل أنصار الثورة أنفسهم يحسبون كل تشكيل يقاتل النظام على أنه منتم للثورة، وأنه يقاتل تحت يافطة الثورة المسلحة. وراح كل سلوك يقوم به تشكيل ما، أو حتى فرد ما ضمنه، يحسب على كامل الثورة المسلحة، مهما كان هذا السلوك مشبوهاً، أو أقله مثيراً للريبة. ومع تتالي سلوكيات جائرة من بعض هذه التشكيلات: كمداهمة البيوت واعتقال مدنيين وإعلاميين وزجهم بالسجون لأسباب شتى، وإزعاج الناس في حياتهم اليومية، إلى آخر هذه الممارسات التي بات السوريون يعرفونها ويعانون منها جيداً… تحولت بعض هذه القوى لمجرد قوى متوحشة تصارع الناس في يومياتهم وأعمالهم أكثر مما تصارع النظام الذي نشأت أصلاً لقتاله. الأمر الذي جعل الثورة مجرد مجموعة قوى متوحشة تتصارع مع النظام وفيما بينها. وهذا أدى بدوره إلى بروز نزاعات شخصية وأهلية بين السوريين بناء على موقفهم من هذه التشكيلات.

 

الأمر ذاته حدث للمعارضة السياسية، إذ إن نزاعاتها الداخلية (الائتلاف كمثال، نتذكر تهديداتهم لبعضهم بفضح الخبايا وهتك العرض، وما يحاك في الأروقة وفي السر) التي احتدمت خلال فترة ليست قصيرة (وربما إلى الآن، لكن اعتكاف الناس عن متابعتها نتيجة انعدام الثقة بها، هو الذي أدى لغياب أخبار نزاعاتها، وليس شرطاً أن تكون توقفت) أدت لتشكيل رأي عام سوري، وربما دولي أيضاً، بتهافتها وعدم قدرتها على تحمل المسؤولية التي نشأت لأجلها أصلاً، وهي تحمل أعباء الثورة وقيادتها، وأدى إلى تشكل سمعة سيئة لها: أفراداً وتنظيمات وحركات وغيرها… وكما حدث مع التشكيلات العسكرية من حيث نسبة ممارساتها إلى الثورة، حدث مع المعارضة السياسية، ونسبت ممارساتها، كتلة واحدة، إلى الثورة أيضاً. حتى وصل الأمر إلى انبناء مواقف حادة من الثورة برمتها نتيجة تصريحات لبعض الأشخاص ممن يحسبون على هذه المعارضة، وتم تحميل الثورة ما لا طاقة لها به، أو ما لا تتحمل مسؤوليته اصلاً.

 

أمام هذه اللوحة القاتمة، وحيث أن الثورة وصلت لمراحل غاية في الدقة والتعقيد والإحباط، أهمها استمرار قتل السوريين من كل جانب، دولياً وسورياً، بما فيهم التشكيلات العسكرية التي تقاتل النظام، أو قاتلته في مرحلة من المراحل (غوطة دمشق، كمثال) لا بد من تعديل جوهري في البوصلة، يبدأ من تسمية الأشياء بمسمياتها، وبدقة كافية لإزالة أي التباس. يبدأ ذلك من عزل الثورة عن الشوائب التي ألحقت بها، والطحالب التي نمت على جسدها، والنظر إليها على أنها حركة الناس وليس حركة الفصائل المتقاتلة، أو التي تتدخل في يوميات الناس وترغمهم على نمط محدد من الحياة، وتعتقلهم، وتمنع الإعلاميين وتلاحقهم وغير ذلك…

وعزل الثورة أيضاً عن المعارضة السياسية التي ألحقت تشوّهات بالغة بالثورة.. الثورة التي هي، بوجه من وجوهها، كمثال، أصحاب القبعات البيضاء الذين ينتشلون الناس من تحت أنقاض بيوتهم وحاراتهم ومدنهم، والأطباء والعاملون في المشافي الميدانية الذين ينقذون، ما أمكنهم، حياة المصابين والمرضى… الثورة هي الناس الذين يخرجون من إصاباتهم ودفن شهدائهم ليتدبروا أمرهم في مأساتهم اليومية والمستمرة…

الأشياء بمسمياتها، أيضاً، تعني أن نسمّي الفصيل الذي انتهك، والفصيل الذي قاتل ويقاتل بشرف باسمه المحدد. وأن نقول بالفم الملآن: هذا تشكيل ثائر، وهذا مضاد للثورة، وهكذا…

أعتقد أن تسمية الأشياء بمسمياتها تقينا خيبات ونزاعات ليست قليلة، قد تكون قادمة على نحو أكثر سوءاً مما هي عليه الآن، أو على الأقل، مساوية لها في السوء، على اعتبار أن ليس أسوأ مما يحدث.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *