الرئيسية / تحقيقات / بالأرقام.. خسائر النظام الاقتصادية بعد خروج المعابر البرية عن سيطرته

بالأرقام.. خسائر النظام الاقتصادية بعد خروج المعابر البرية عن سيطرته

محمد صالح

 

تتميز سوريا بموقع جغرافي حساس بين الدول المحيطة بها، حيث يطلق عليها “بلد المعابر” نظراً لوجود 19 معبراً برياً مع دول الجوار، وكونها تعد بوابة عبور رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها في الحركة التجارية بين دول أوروبا والخليج العربي، ومنفذاً بحرياً اقتصادياً لدول كالعراق والأردن.

 

وتوضح الأرقام الرسمية أن نحو 137 ألف شاحنة كانت تنقل بضائع وسلعاً بين الشرق والغرب عبر الأراضي السورية، ما أدى إلى ارتفاع قيمة تجارة الترانزيت لتحقق في عام 2008 نحو 126 مليار ليرة، ووصول كمية البضائع المنقولة إلى خارج البلاد إلى أكثر من 4.3 ملايين طن في عام 2010.

 

مع بدء حرب النظام على الشعب في آذار 2011، ورغم أن الأشهر الأولى منها لم تشهد تغيراً يذكر في تدفق حركة الترانزيت البرية والبحرية، أخذت حركة الشاحنات التركية عبر الأراضي السورية تتراجع بشكل متواتر، إلى أن توقفت تماماً مع سيطرة المعارضة على المعابر الحدودية بين البلدين، دون أن يعني ذلك توقف دخول الشاحنات التركية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لتتوالى بعدها الضربات للنظام جراء توقف حركة المعابر مع العراق بعد سيطرة داعش عليها، وسيطرة المعارضة على المعابر مع الأردن.

 

الخسائر بالأرقام

 

بحسب تجار ومخلصين جمركيين سوريين، فإن خسائر النظام جراء سيطرة المعارضة على معبر نصيب مع الأردن، تقدر بحوالي 10 ملايين دولار أميركي يومياً. وتتجلى هذه الخسارة من خلال توقف حركة تصدير البضائع السورية، وظهور مشاكل تسويقية، لا سيما للسلع الزراعية، ما يعني توقف حركة الورشات التي تقف خلف عمليات التصدير كمشاغل تغليف السلع، وورشات صيانة الشاحنات، والأهم هو خسارة المعابر الحدودية لإيرادات تجارة الترانزيت.

 

كذلك تضررت حركة التجارة البرية بين العراق وسوريا عقب سيطرة تنظيم داعش على المنافذ الحدودية، ما أدى لانعدام التبادل التجاري بين البلدين، بعد أن سجلت التجارة البرية بين البلدين 7 مليارات دولار في 2013.

 

وكانت الصادرات السورية غير النفطية للدول العربية، وصلت إلى ذروتها قبل الثورة، لتبلغ قيمتها نحو 4.4 مليارات دولار، في حين لم تزد قيمة الواردات عن 2 مليار دولار، ليغيب كل ذلك مع لجوء النظام إلى القوة في قمع ثورة الشعب السوري، وليبلغ عجز الميزان التجاري 3.1 مليار عام 2015.

 

بعد أن وصلت الصادرات السورية غير النفطية للدول العربية إلى ذروتها قبل الثورة، لتبلغ قيمتها نحو 4.4 مليارات دولار، عاد العجز في الميزان التجاري السوري ليصل إلى 3.1 مليار عام 2015.

 

 

واختصر النظام علاقاته التجارية على إيران وروسيا، ووجد عبر “المستوردات الإنسانية” وفتح البلدين خطوط ائتمان له، مهرباً من العقوبات الاقتصادية واستمراراً لتصدير قوت السوريين، من خضر وفواكه ومنتجات حيوانية لحلفاء الحرب، حيث يستورد النظام من روسيا حوالي 59% من مجمل وارداته.

 

وبحسب إحصائيات رسمية، استوردت سوريا وفق الخط الائتماني المعلن نحو 138 مليون يورو خلال عام 2014، تنوعت بين المنتجات الغذائية والطبية.

المفارقة مع تركيا

 

الأمر الملفت في مسألة التجارة الخارجية لسوريا، هو تزايد وانتعاش حجم الصادرات التركية إلى سوريا، فقد بلغت هذه الصادرات بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة 1.8 مليار دولار عام 2010 مقابل 462 مليون دولار قيمة الصادرات السورية إلى تركيا، ولكن سرعان ما انهارت التجارة بين البلدين بعد بدء الثورة ووقوف تركيا إلى جانب الشعب السوري، لتبلغ صادراتها إلى سوريا أقل من 500 مليون دولار عام 2012 مقابل 67 مليون دولار للصادرات السورية. وعلى الرغم من ذلك، فقد عادت لتنتعش مرة أخرى خلال الأعوام اللاحقة لتتجاوز صادرات تركيا 1.9 مليار دولار مقابل 115 مليون للصادرات السورية، وذلك بسبب استمرار النشاط التجاري على طول الحدود، واستمرار القطاع الخاص السوري في علاقاته الاقتصادية مع الجانب التركي.

 

تعويض الخسائر “مصرياً وروسياً”

 

خسائر النظام من فقدان المعابر البرية وضغط التجار عليه، دفعه لإيجاد طرق بديلة لتصدير منتجاته، فكانت مصر أحد الحلول التي لجأ إليها، مستفيداً من موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المحابي للنظام، حيث وافقت القاهرة في شهر أيار الماضي على منح تأشيرات دخول (ترانزيت) لسائقي الشاحنات والبرادات السورية، التي تحمل الخضار والفواكه إلى الخليج، في خطوة تدعم حكومة النظام والتجار ورجال الأعمال الموالين.

 

كما استفاد النظام من موقف روسيا المساند له ومده بالمال والسلاح، حيث بدأت الأسواق الروسية باستقبال المنتجات السورية، ولا سيما الزراعية، ليتم تصديرها عبر الموانئ البحرية السورية، بإشراف روسي.

 

وتستورد روسيا ما يقارب 40 ألف طن من المحاصيل الزراعية السورية شهرياً، بالإضافة لتوقيع بعض العقود الخاصة باستيراد الصناعات النسيجية والألبسة. الأمر الذي سيزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطن السوري في ظل عدم قدرة النظام على السيطرة على أسعار الأسواق.

بلغت صادرات سوريا إلى روسيا من المشمش والكرز والخوخ من سوريا 7.196 ملايين دولار، في حين لم تتجاوز سوريا المرتبة 14 عالمياً في السوق الروسي في تصدير هذه المواد

انكشف الاقتصاد السوري على نظيره الروسي، وارتفعت درجة الانكشاف بشكل واضح خلال 2011 ليصل إلى 30%. ويفسًّر ذلك بأن الثورة السورية كانت في بدايتها، ليشهد العامين 2012 – 2013 تراجعاً في معدل الانكشاف الاقتصادي على روسيا إلى 14.1%، 10.5% على التوالي، وهذا التراجع يعزى إلى تأثير الحرب على التجارة الخارجية، حيث تأتي روسيا في المرتبة الأولى بين دول العالم في استيراد المشمش والكرز والخوخ من سوريا بقيمة واردات 7.196 ملايين دولار، بنسبة تبلغ 39.3% من صادرات سوريا من هذا البند، في حين تحتل سوريا المرتبة 14 عالمياً في السوق الروسي في تصدير المشمش والكرز والخوخ، والمرتبة الأولى في كل من الأردن ولبنان وتركيا.

 

دول البريكس “حل أخر”

 

ومع تفاقم الحرب في سوريا وخسارة آلاف المصانع ونقل الكثير منها إلى الدول المجاورة، والتي كانت مفتاح تصدير السلع إلى الأسواق الخارجية، وضعف إنتاج الشركات الصناعية العامة التابعة لحكومة النظام ومضاعفة العقوبات الاقتصادية، عملت حكومة الأسد على تعويض هذا النقص في الإنتاج والصناعة بالتوجه إلى الشرق ودول البريكس، كما اتجهت عدا عن ذلك، إلى العمل على مقايضة السلع. ولكن هذه الخطوة لم تثبت نجاحها حتى الآن، كون السلع السورية باتت مرتفعة الثمن بسبب ارتفاع التكاليف المحلية لإنتاجها، كما أنها لا تحوي القيمة المضافة أو الميزة النسبية التي تستطيع من خلالها منافسة غيرها من السلع المتواجدة في أسواق تلك الدول. وحتى التوجه إلى دول البريكس لم يعكس الحجم الحقيقي للاتفاقات الموقعة حتى هذه اللحظة.

 

لم يثبت توجه النظام نحو دول البريكس نجاحه حتى الآن، لأن السلع السورية باتت مرتفعة الثمن بسبب ارتفاع التكاليف المحلية لإنتاجها، كما أنها لا تحوي القيمة المضافة التي تمكّنها من المنافسة.

 

وبالنسبة لحصة الشركاء التجاريين الرئيسيين في الصادرات السورية لعام 2014، احتلت مصر المرتبة الأولى بنسبة 26.1% من إجمالي الصادرات السورية، وجاءت الأردن في المرتبة الثانية بنسبة 22%، ثم لبنان بنسبة 15.3%، وتراجعت حصة تركيا من الصادرات السورية بنسبة بلغت 8.2%. وهنا نلحظ كيف أزيحت السعودية والعراق كأبرز وجهة للصادرات السورية في 2014 مقارنة مع فترة ما قبل 2011، كما تشير البيانات إلى انخفاض حصة الدول الآسيوية من إجمالي المستوردات السورية لتصل إلى 19% وبنسبة انخفاض بلغت 39% عن 2010.

 

تراجع الصادرات يرفع الأسعار

 

إن توقف الحركة التصديرية للسلع السورية، واقتصارها على دول معينة، لم يمنع هذه السلع من ارتفاع أسعارها بشكل جنوني في الأسواق المحلية، حيث تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام تزايدا من حجم الأعباء على المواطن ذي الدخل المحدود، وتضيف معاناة أخرى إلى معاناته التي يعيشها نتيجة الأزمة والتلاعب والتقصير الواضح وغياب الرقابة الفعلية على الأسواق، في وقت بات فيه سعر كيلو البندورة يضاهي الموز وكثيراً من الخضر والفواكه، إضافةً إلى توقف بعض أنواع السلع التي كان يستوردها النظام من دول الجوار بعد فقدان حدوده معها.

 

لم يمنع توقف الحركة التصديرية للسلع السورية، واقتصارها على دول معينة، من ارتفاع أسعارها بشكل جنوني في الأسواق المحلية

 

وكان رئيس لجنة أسواق الهال في دمشق المحسوب على النظام، رامز السمان، قد حذر من أن الأسواق باتت مهددة بندرة الخضر والفواكه في غياب أي خط تصدير أو استيراد بري.

وقال السمان: “نحن في أواخر موسم الكثير من المنتجات الزراعية المحلية مثل البندورة والبطاطا والخيار والكوسا والباذنجان وغيرها، والتي كان يتم استيرادها عادة من مصر والأردن في مثل هذه الأيام؛ أي في نهاية مواسمها المحلية، وذلك عندما كانت الطرق والمنافذ الجمركية البرية مفتوحة، حيث كانت عمليات استيراد البندورة والخيار والبطاطا تبدأ في منتصف كانون الأول من كل عام”.

وأضاف السمان: “أن انحساراً كبيراً في الخضر والفواكه والغذائيات بمختلف أنواعها سوف تشهده الأسواق المحلية، وفي مختلف المحافظات، في غضون شهر من الآن، في حال لم تؤمن الحكومة منفذاً أو معبراً جمركياً برياً كطريق تجاري في الاتجاهين استيراداً وتصديراً”.

رامز السمان: أن انحساراً كبيراً في الخضر والفواكه والغذائيات بمختلف أنواعها سوف تشهده الأسواق المحلية، وفي مختلف المحافظات، في غضون شهر من الآن.

 

حلول ما بعد الحرب

ذكر الخبير الاقتصادي محمد السالم، وفي تصريح خاص لـ”صدى الشام”، عدة عوامل قد تساعد في إعادة تنشيط حركة التجارة السورية المتضررة من الحرب، ومنها “عودة حركة الإنتاج المحلي في سوريا، وخاصة المعامل والمصانع والزراعة، وعودة حركة المنافذ البرية إلى الخدمة كما كانت عليها سابقاً، ومكافحة التهريب وضبط الحدود، ومنع دخول السلع بطرق غير شرعية. كذلك تعديل نظام الاستيراد والتصدير في سوريا، والذي يضع الكثير من المعوقات أمام التجار والمستوردين”.

ومن الحلول التي اقترحها السالم، “تسهيل تمويل المستوردات والصادرات ودعمها من قبل وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي إذا تشكلت حكومة توافقية جديدة في سوريا. وإيجاد أسواق خارجية إضافية للسلع السورية، وإقامة مراكز تسويقية خارجية، وتشجيع الأموال المغتربة للعودة، وخاصة أصحاب المعامل والمصانع التي تم نقلها إلى البلدان المجاورة. ولا يتم ذلك إلا بعد توفير الأمان وإنهاء الحرب القائمة، ومنح هؤلاء المستثمرين مزايا وحوافز تشجعهم للعودة، وخاصة بما يتعلق بالقروض المتعثرة التي قد تكون في ذمتهم”.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

تحقيق: هكذا تورط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في قمع وتعذيب الطلاب بعد 2011

أكد تحقيق أجراه المجلس السوري- البريطاني تورّط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في مجمل عمليات القمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *