في يوم السبت 23 نيسان، اشتعلت النار في سوق العصرونية بدمشق لتلتهم أكثر من مائة محل وتحرق قلوب ما تبقى من السوريين العالقين بين الموت والموت.
يعتبر سوق العصرونية من أهم أسواق دمشق القديمة، وهو يقع في مواجهة الجدار الشرقي لقلعة دمشق الأثرية. يتصل من الجنوب بسوق الحميدية ويلاقي من الشمال امتداد شارع الكلاسة وسوق المناخلية، فيما تحرس قلعة دمشق نهايته الغربية ويواجهه من الشرق الجامع الأموي وباب البريد الذي يمتد من الحميدية حتى تقاطع المكتبة الظاهرية. بُني هذا السوق قبل نحو 150 سنة، وقد كان سوقا مكشوفا غير مسقوف بالتوتياء أو الأقواس الحجرية، بخلاف الأسواق القديمة المجاورة له مثل سوقي الحميدية والسروجية. كذلك خالف هذ السوق الأسواق القديمة، والتي لم تزل قائمة حتى الآن، من حيث استمراره كـ«سوق متخصصة»، إذ تَخصّص سوق العصرونية منذ إنشائه، ومن خلال عشرات المحلات التي ضمتها، في بيع مستلزمات مطابخ البيوت والأدوات المنزلية والأدوات النحاسية والزجاجية والأراكيل، في حين غاب التخصص عن معظم الأسواق الدمشقية القديمة خلال السنوات الأخيرة.
يضم سوق العصرونية الكثير من المباني التاريخية مثل جامع دار الحديث الأشرفية، وهو جامع صغير نسبيا تبلغ مساحته نحو 400 متر، ذو بناء مربع بطابقين، ويضم مئذنة ومصلى وباحة صغيرة تتوسطها بحرة تزيينية. وهناك أيضا مبنى مدرسة زهرة خاتون التي تعود إلى العصر الأيوبي. وثمة جامع آخر قديم أيضا يدعى جامع الخندق. كما يوجد فيه مبنى تاريخي تَحوّل إلى مدرسة تحمل اسم السوق.
يؤكد مؤرخون أن تسمية سوق العصرونية تعود إلى المؤرخ والعلامة ابن أبي عصرون، بينما يعتقد آخرون أن التسمية مشتقة من كلمة “العصر”، وذلك لأن السوق منذ الأيام الأولى لإنشائه، يشهد ازدحاما شديدا في فترة العصر من النهار، حين تخرج النساء الدمشقيات للتسوق فيها بعد انتهاء أعمالهن المنزلية، فيشترين من محلاتها مستلزمات مطابخهن وغيرها.
تغيّر شكل السوق وامتداده عدة مرات خلال التاريخ، حيث كان يجاوره فيما سبق سوق آخر مسقوف بالخشب، كان يحمل اسم “سوق القلعة”، لكن الأخير تعرض للقصف المدفعي الفرنسي إبان الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1925، مما تسبب بتهدمه مع الكثير من البيوت المجاورة والمشيدات الأثرية. وفيما بعد، أعيد تنظيم السوقين معا في سوق واحد مكشوف أخذ اسم «سوق العصرونية». إلا أن هذا الأخير لم يسلم لاحقا من القصف الفرنسي المتجدد، إذ تَعرّض للقذائف الفرنسية الموجهة إلى القلعة عام 1945 التي ألحقت الأذى بالكثير من منشآته ومحلات.
الكثيرون يشبهون الأمس باليوم، ويعتبرون أن الفرق الوحيد هو باختلاف تسمية العدو من فرنسي محتل يقصف بالطائرات إلى إيراني محتل أيضا يشعل النار في محلات السوق عقابا لأصحابها الذين رفضوا بيعها له ووقفوا ضد مشروعه الطائفي المكشوف بتغيير ديموغرافيا المنطقة واحتلال ما تبقى من سوريا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث