رشا عمران
تضعك رشا عمران في ديوانها “بانوراما الموت والوحشة” الصادر عن دار نون في الإمارات العربية، في دهاليز رحلة كابوسية تبدأ من النص الأول لتستمر فيها وفي تهيؤاتها وصورها وإلحاحها حتى نصها الأخير. ينفتح الديوان فجأة على «دم»: في السهر دم، في السرير دم، في الجنس دم/ دم في الهواء، دم في السجائر، دم على الكنبة، دم في الأصابع، دم في الستائر، دم في الدمع/ … دم دم دم.
مفردة «الدم» التي هي المفردة الأم في النصوص، مفردة ملحة وضاغطة، ومن كثرة إلحاحها يكاد ينفجر بها الديوان. إنها تتكرر في النص الأخير من المجموعة عشرات المرات، وحين تصل الشاعرة بها إلى حدود التخمة والاختناق، تخرج منها لكي تقول: «ليس هذا نصاً شعرياً/ هو مجرد يقين أن الحدث/ يحدث هناك يومياً/ وأنني أنا البعيدة الآن/ لا أكف عن اليقين به». هكذا يتحول الدم فجأة، من سائل أحمر بشري يلطخ الفضاء والأرض والناس في سورية، يتحول إلى إحساس. فهو دم مرئي ومنشور ومعمم وليس دماً سرياً، حتى يصح فيه التأويل. إنه الإحساس اليقيني بالدم، الذي لم يعد يتطلب المعاينة المباشرة له، ولم يعد يحتاج إلى البراهين اللحظوية عليه. إنها تأملات امرأة ماتت أو ترغب في الموت، لأن الآخرين (أحبابها) ماتوا جميعاً. إحساسها بجسدها (الأنثوي) هو أنه جسد مفتت، أعضاؤها موزعة على البلاط: اليد، أصابع القدم اليسرى، الشامة السوداء في أعلى الظهر، السرة الملقاة تحت السرير… وعبثاً تحاول المرأة المتفككة أن تعيد تركيب صورتها، «فتضع أصابع اليد اليمنى في القدم اليسرى» (النص 19).
على رغم الفراغات البيضاء الكثيرة في صفحات «بانوراما الموت والوحشة»، وهي بياضات في أعالي الصفحات، فإن السطور السوداء القليلة الباقية، تظهر وكأنها في أسفل الصفحات سطور نمل مرعبة.
نحن هنا أمام صورة سوريالية للرعب، بحيث تُرسم الضحايا كعصافير وأسماك ميتة في سكون اللوحة. مشهد سوري بامتياز، بحيث تأتي المخيلة خادمة لفهم الواقع.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث